الرسالة الأخيرة لباتوس : لا تكن مثل ‫‏بقشه

37

تنتشر في ليبيا ظاهرة التعدي على الأثار التي خلفتها العديد من الحضارات التي استوطنت تلك البقاع وعمرتها و أهلتها لأن تكون واحدة من أكثر الدول الغنية بالتراث الأنساني وليس هناك تفسير لمثل هذه الأفعال العبثية والمتكررة بشكل يدعو للقلق .
فهناك من يستخدم الطلاء لترك ذكرى او رقم هاتف او لقب و هناك من ينحت على الرسومات و النقوش و الجدران التاريخية ويخلف أثرا سلبيا يشوه جمال التاريخ في تلك البقايا التي مر على وجودها الاف السنين .
الكثير من الأماكن الأثرية تعرضت للتشويه وطالت أيدي العابثين معالم تاريخية أثرت على قيمتها الجمالية , بعضها يمكن أزالة ضرره والبعض الاخر يمكن ترميمه ولكن هناك مالايعوض و لا يرمم كالنقوش الصخرية بجبال أكاكوس .
أن أعمال الغرافيتي العشوائية ظاهرة تستدعي الوقوف عندها و الحد منها و مكافحتها وخاصة تلك التي تطال الممتلكات العامة والثروات الانسانية والتاريخية والوطنية .
مدينة قورينا التاريخية تتعرض بأستمرار لمثل هذه الأعمال و لايكاد أثر أو معلم يخلو من عمل غرافيتي عشوائي او نحت عبثي او تخريب متعمد بإيقاد النيران و إلقاء القمامة والمخلفات .
بقشة ترك اسمه على مدينة باتوس و احتلت اعماله أماكن متفرقة من المدينة القديمة التي حولها معرضاً لأعماله و إبداعاته و أخذ مكان الألهة وترك رقمه ربما لكي يتواصل معه المهتمين بالأساطير و الميثولوجية والدارسين لتاريخ المدينة و الحضارات الأغريقية والرومانية وحتى البطلمية
أحيانا أتسأل لما كان بقشة في قورينا ؟ على الأرجح كان هناك يروح عن نفسه ويتجول في شوراع وساحات ومعابد المدينة ويتأمل أثار الأغريق المؤسسين والرومان التابعين ومن تبعهم الى حين أن وطئت قدما بقشة شارع باتوس و ساحة الأغورا ومعبد أبولو .
ومنذ ذلك الحين صارت المدينة الان بأسم بقشة و  صار يملك النصب البحري التذكاري و المجلس البلدي و ساحة الفورم وصارت كل الشوارع مسجلة بأسمه واشباح العذراوات في معبد ابولو تنادي باسم بقشة الذي استطاع بخربشة ان يغير تاريخ المدينة ويصنع لنفسه مكانة بين العظماء .
بقشة ليس مريضا نفسيا او معتوها,بل شخصية تاريخية عامة تركت لنا أوتوغرافا على الحجارة ليذكرنا بمأساتنا وأهمالنا لموارد بلادنا التاريخية .
وبقشة ليس الوحيد الذي وقع بسجل زوار قورينا فهناك الكثير من السجلات على جدران المقابر و المعابد تطالعنا كلما زرنا المدينة وبقشة يتكاثر أكثر حتى من تكاثر وحيدات الخلية وينتشر اكثر من الأيبولا في كل ليبيا ويلقي بافرازته الوبائية على معالم الحضارات ويلغي جانبا كبيرا من قيمتها الجمالية و التاريخية
في ركن من ساحة المدينة الادارية قرب قبر مؤسس قورينا باتوس الاول يوجد معبد دائري شبه مهدم تقف فيه ديمتريا وابنتها بيرسفوني وخلفهما كتابة تركها الاله عبدالله مع رقم هاتفه فعبدالله هو بقشة وبقشة هو عبدالله ولايختلف الأثنان عن بعضهما في إداء رسالتهما ورسالة الكثيرين من على شاكلتهم والتي نتجاهل قرأتها لأنشغالنا بقراءة واقعنا السياسي و الإقتصادي وتركنا لبقشة مساحة لحرية التعبير عن رأيه و هذه المساحة تكلف خزانة ليبيا التاريخية قرونا من الزمن قبل حتى مولد بقشة الأول .
والأن وعندما تسير في شوراع قورينا سيطالعك وجه باتوس و قيثارة أبولو و رأس ديمتريا و صراخ بيرسفوني وكأنهم جميعا يقولون لنا : بقشة سئ لاتكن مثل بقشة .

ماهر العوامي

مصدر الصورة : التواصل الاجتماعي
مصدر الصورة : التواصل الاجتماعي
مصدر الصورة : التواصل الاجتماعي
مصدر الصورة : التواصل الاجتماعي
المزيد من الأخبار