الدكتور علاء حمودة يكتب : ماذا تعرف عن حرب الجيل الرابع ؟

الكاتب علاء حمودة هو طبيب شرعي Forensic Anthropologist وحاصل على دبلوم في القانون الدولي، صدر له في علم النفس الشرعي كتاب “حكايات مثيرة للأرق” ورواية “لوسيفر – قصة الأبد” عن دار روزنالمة للنشر والترجمة.

2٬135

أخبار ليبيا 24 – خاص

تحدثنا طويلًا عن أجيال الحروب الثلاثة، ورأينا شجاعة الاسبرطيين ومغامرات البوير وبطولات الاستنزاف، وفارق التطور من رماح ودروع ورجل لرجل إلى بندقية وقنبلة بدائية، إلى آليات حديثة وطائرات أحدث ودبابات وصواريخ أكثر تدميرًا.

وذات صباح أسود، وتحديدًا بين عامي 2011 و2012، استيقظنا كلنا على شيء غريب.

أفرع الدفاع المكونة من سلاح الطيران والقوات البحرية والدفاع الجوي والمشاة، وغيرهم مما يشكل قوام القوات المسلحة النظامية.. استحال اسمها فجأة وبلا سابق إنذار إلى “مليشيا Militia”.

أما عصابات الإرهاب ومحترفي القتل على الهوية، حارقي الأبرياء وقتلة الأطفال، أولئك الذين لا يتحاشى أحدهم من إمرأة أو شيخ كبير، فقد صارت تحمل لقب “جيش”.

لم نكد نستفق من الصدمة، حتى فوجئنا بأن قطاع الأمن الداخلي، ويد القانون وسلاحه، رجل الشرطة.. صار اسمه “بلطجي”، بينما المجرم الهارب من السجن، تحول إلى “بطل”.

حرق المنشآت والمراكز الأمنية والقطاعات الحكومية أصبحت “بطولة”.. ومحاولة منعها جريمة.

وفي 19 مارس، من العام 2011.. انقضت مقاتلات وقاذفات أجنبية معادية، تابعة لقوات حلف الناتو، لتقصف ليبيا وتحيل بقاع شتى منها إلى أثر بعد عين، والغريب أن هناك من أهل البلاد، من دعم ذلك!

لقد طار بعضهم فرحًا وانتابته سعادة هائلة، وهو يرى الطيران الأجنبي يقصف بلاده، وراح يهتف ويهلل للمعتدي، ويرقص طربًا على أنقاض أرضه، وجثث أهله المحترقة المتفحمة.

وفي كابوس حقيقي، رأينا الشعوب في الشرق الأوسط تنتفض، لتدمر بلادها بنفسها، وتحرق مدرعات الجيش وسيارات الشرطة بلا ذرة تردد، بمن فيها من أحياء، دون ثمة شعور بقلق أو ندم.

لقد صار القوم يجردون أنفسهم من درعهم وسلاحهم بمنتهى الحماس لسبب مجهول. تذكر كذلك حقيقة مروعة؛ بعض الآليات العسكرية أحرقت بمن فيها من جنود أبرياء أحياء، كل جريرتهم أنهم كانوا يحرسون منشأة ما أو يحاولون الدفاع عن حيواتهم.

لا توجد آلام في الدنيا تفوق آلام النار، تلك التي توعد بها الله العصاة والمذنبين ومن أثقلتهم آثامهم، ووضع لها مهابة في قلب كل مخلوق حي بلا استثناء، حتى المردة والشياطين. رغم ذلك، رأينا من يلتقط لنفسه صورة جوار الجثث المتفحمة بمنتهى الفخر.

وفجأة تم تنكيس أعلام البلاد، وطرحت أرضًا لتطأها الأقدام، وظهرت أعلام جديدة، لا تعرف متى تم تصميمها وطبعها وقصها وتوزيعها.. طالما تلك الثورات كانت “عفوية غير مدبرة” كما حاول البعض إقناعنا.

ورفرف علم “تنظيم القاعدة” في مصر.. وعلم الإنتداب الفرنسي في سوريا.. و علم “الأحواز الإيرانية” في تونس.. و علم “ما قبل الجمهورية” في ليبيا.

وفي ظل هذا الكابوس الغير قابل للتصديق، فوجئنا بمسميات جديدة.. أن من يرفع أعلام الإرهاب والاحتلال وطني.. ومن يرفع علم بلاده فاسد أو كافر.

يمكنك أن تصنع قنبلة مولوتوف وتحرق بها من شئت وقتما شئت من الأبرياء.. ويمكنك أن تخرج على الناس بالسلاح لتقتل منهم من تشاء حيثما تشاء، باعتبار أن هذه هي “الحرية” و”الديموقراطية” و”المعارضة”.

وصارت كلمة “رجل أمن” سبة، وصار السير بالحلة العسكرية في الطرقات خطر داهم على من يرتديها.. وصار حبك لبلادك ومقاومتك للمعتدي الأجنبي.. شيء يبعث على الاحتقار.

القاتل أصبح بطلًا والمقتول أصبح مجرمًا والإرهابي صار شهيدًا وضحيته صارت بلا ثمن.

لقد سقطت العاصمة، وانهارت الدولة، وسقط معها كل قانون، وسادت شريعة الغاب وقانون الدم ودستور الإرهاب.. الآن تجوب الميليشيات الإرهابية شوارع ليبيا واليمن وسوريا ليلًا ونهارًا لتقتل كل من يعترض طريقها.. يقتحمون البيوت بالسلاح بحثًا عن النساء ويقتلون كل من يقاومهم من الرجال.. يستعبدون الأبرياء ويسفكون الدم بلا تردد.. النهب والقتل في كل مكان، لا توجد كهرباء ولا مرافق.. الاتصالات كلها مقطوعة ولا يوجد دواء ولا طب.. انعزلت تلك البلاد عن العالم بالمعنى الحرفي للكلمة فصرنا لا نعرف ما يدور حولنا, حتى أن تلك الدقائق القصيرة التي نختلسها من النوم فيما تبقى من منازلنا، لا تمر بلا كوابيس.

في كل الثقافات والأعراف والأديان، حتى أكثرها قسوة وغلظة ودموية.. رغبات المحتضر لا ترد.. تنفذ.. حتى لو من جيش عدوك.

و لكن في سبتمبر 2013، اقتحمت جحافل من جماعة الإخوان الإرهابية قسم شرطة كرداسة في مصر.. واستقووا بأعدادهم وسلاحهم وقتلوا كل من فيه.. وكان من قائمة الضحايا رجل الأمن الشهيد بإذن الله، العقيد “عامر عبد المقصود”، الذي كان مثخنًا بالجراح يكافح سكرات الموت، وطلب من جلاديه جرعة ماء، فأحضروا زجاجة من حمض الكبريتيك المركز، دفعوا بمحتوياتها إلى جوفه، ليلقى مصرعه في الحال.

لقد تبدلت المفاهيم بسرعة مدهشة لترسم مشهدًا سيرياليًا كابوسيًا.

ثم استحال المشهد الكابوسي إلى كوميديا مطلقة، فصار الجيش الوطني في كل دول الربيع العربي الأسود يحمل اسم “جيش الاحتلال” بينما تغير اسم جيش الاحتلال الاسرائيلي إلى “جيش الدفاع”….!

وجيش تركيا صار “جيش الخلافة”.

والجيش الأمريكي الذي هو أكبر تجمع للمرتزقة في التاريخ صار اسمه “الجيش الوطني”…!

هل شعرت بالارتباك والحيرة مما قرأت؟ تعال نلخص معًا مستشفى الأمراض العقلية الذي عرضناه في السطور السابقة:

“الجيوش أصبحت ميليشيا.. والمليشيا الإرهابية أصبحت جيش”

“حرق البشر أحياء صار يوصف بالفروسية والنبل.. بينما محاولة إنقاذهم جريمة”… “رفع علم الإرهاب والاحتلال صار وطنية.. ورفع علم وطنك خيانة وشوفينية وضيق أفق”…

“كلمة رجل الأمن صارت سباب وعار.. بينما لقب الإرهابي صار شيء يدعو للفخر”…”حمل السلاح وقتل المعارضين “اعتدال”.. بينما الرأي المخالف قوادة وعهر وكفر”…التعاون مع أجهزة وطنك الأمنية خيانة.. و التعاون مع أجهزة أمنية أجنبية عمل وطني”…”جيشك الوطني هو جيش احتلال.. وجيش العدو… جيش الدفاع والجيش الوطني وجيش الخلافة” …”قاتل الأطفال بطل.. والأطفال مجرمين.. والمقتول أصبح.. قاتل”…

إنه الخبال.. اللامنطق.. بل الجنون ذاته.

إنها حرب الجيل الرابع..  Fourth-generation warfare والتي يدللها البعض بـ 4GW.. والتي جعلت السطور السابقة ضرورية، كي تتوقف للحظة وتفكر.. ما الذي يحدث بالضبط؟!

لقد خرج مصطلح “حرب الجيل الرابع” من الولايات المتحدة سنة 1989.. أول من تكلم عنه بشكل علمي ممنهج كان “ويليام ليند” في كتاب بنفس الاسم، كان ثمرة بحثه لسنوات قضاها بين الفرق العسكرية ورجال الجيش والمحابرات المركزية والباحثين الاستراتيجيين. لقد ربط “ليند” في كتابه بين ذلك الجيل من الحروب والتقنيات الحديثة وحروب العصابات و و “الحروب الغير متماثلة Asymmetric warfare ” أي تلك التي تواجه فيها مجموعات أو فرق صغير مسلحة؛ دولة تفوقها تسليحًا وعتادًا وقوة.

وحرب الجيل الرابع تهدف لتفكيك المجتمع وتحويله إلي قبائل وفصائل متناحرة طيلة الوقت.. ففي حقيقة الأمر أن عدوك إذ يشن عليك حربًا من هذا الجيل، فهو لا يحاربك على الإطلاق.

إنه يدفعك لمحاربة نفسك بنفسك.

بمعنى أكثر دقة، يدفك لالتهام نفسك حتى الموت.. وغالبًا.. من دون أن يطلق عليك رصاصة واحدة.. فقط يجذب مقعدًا ويجلب كوب من القهوة ويشعل سيجارًا فاخرًا، ويتأملك وأنت تحرق نفسك في استمتاع.

كيف تبدأ حرب الجيل الرابع.. وما هي أسلحتها الرئيسية؟ الواقع أن هذا الموضوع الشائق يطول، ولن يسعه هذا المقال، لذلك نرجئه إلى وقت لاحق.

ولحديثنا بقية.

المزيد من الأخبار