الدكتور علاء حمودة يكتب : ماذا تعرف عن حروب الجيل الثاني ؟

الكاتب علاء حمودة هو طبيب شرعي Forensic Anthropologist وحاصل على دبلوم في القانون الدولي، صدر له في علم النفس الشرعي كتاب “حكايات مثيرة للأرق” ورواية “لوسيفر – قصة الأبد” عن دار روزنالمة للنشر والترجمة.

743

أخبار ليبيا 24 – خاص

مررنا بحرب الجيل الأول، ومتعنا أبصارنا بتشكيلات الفلنكس phalanx الإسبرطية الرهيبة.. وحضرنا معًا معركة “البوابات الساخنة”، التي قاتل فيها جنود إسبرطة الثلاثمائة كالرجال، ولقوا خالقهم كالرجال.

لقد اختلف الجيل الثاني من الحروب اختلافًا جوهريًا عن ذلك الطراز الأول القديم.. فبرزت التكنولوجيا على الساحة وأصبحت هناك أسلحة نارية Breech-loading weapon تقتل عن بعد، أقوى وأكثر دقة وخطورة وأبعد مدىً من السهام.. ومن هنا كانت بداية تغير شكل الحروب بالكامل.. وإن حافظ هذا الجيل من الحروب – كسابقه – على تشكيلات المشاة وصفوف الجنود.

امتازت حروب الجيل الثاني بحرية الحركة وإطلاق النار، إضافة إلى العنصر الاستخباراتي، وإن كان دوره في بدايتها بدائيًّا، لا يتجاوز استطلاع مواقع العدو.. مثل حروب الجيل الأول والثالث والرابع، وغالبا أية أجيال أخرى من الحروب قد تنشأ، فإن العامل النفسي كان شديد الأهمية.. وكانت للحرب النفسية Psychological warfareاليد العليا.

لقد قالها القائد الفرنسي (نابوليون بونابرت) يومًا: “الحروب تنحسم في صدور الرجال قبل أن تنحسم في ميادين القتال”.. و”ما يجعل الجنود شجعان هو القضاء على المشاعر السلبية والأحاسيس السيئة.. مع الحفاظ على روح عالية في القلوب.. تحوي في طياتها فكرة لا تهتز.. في الدفاع عن الوطن الأم”.

من أمثلة حروب الجيل الثاني؛ الحروب النابوليونية Napoleonic Wars والحرب العالمية الأولى WWI و حرب البوير Boer War .. و لأن الأمثلة على هذا النوع من الحروب كثيرة، فسنتحدث هذه المرة – بعد نبذة سريعة عن الحرب العالمية الأولى – عن حرب خاصة، عرفت باسم حروب البوير.

كانت التكنولوجيا مع ظهورها على الساحة، لا تزال محدودة، فكانت الأسلحة تعتمد على القوة النيرانية الكبيرة، كقذائف المدافع، قد لا تصيب هدفها بدقة، لكنها تحدث ضررًا عظيمًا في صفوف العدو، دونما حاجة إلى تصويب دقيق.

لقد فرضت الحرب النفسية للمرة الأولى نفسها بقوة وعنف علمًا حقيقيًّا، في الحرب العالمية الأولى.. و كانت منشورات مكتب والينتون هاوس Wellington House الإنجليزي تُلقى على ألمانيا والدولة العثمانية والنمسا بالمناطيد والطائرات.. لتسقط خلف خطوط العدو، ويقرأها جنوده بلغتهم.. وكانت كثيفة مركزة، تحرض الجنود على الفرار من الخدمة العسكرية وتحذرهم من الموت في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

من أحد خبراء الحرب النفسية الذين وضعوا لبناتها الأولى كان اللورد البريطاني (ألفريد هارمسوورث Alfred Charles William Harmsworth).. وهو مالك جريدتي (الديلي ميل Daily Mail) و (التايمز Times) الإنجليزيتين.

كان اللورد (ألفريد) بارعًا.. وأسهم في حملة إعلامية نفسية رهيبة ضد ألمانيا، أتت ثمارها لدرجة أن الجنرال الألماني إريك لوديندورف Erich Ludendorff بعد الحرب قال بالحرف:

“لقد كان جنودنا يفكرون بالضبط كما يريد العدو و يبدون في الميدان شاردين خائفين، كالفأر الذي يحاصره ثعبان في جحر”.

على كل حال، لقد كانت (حرب البوير) بين بريطانيا وجمهوريتي البوير؛ جمهورية جنوب أفريقيا (الترانسفال) وجمهورية البرتقال الحرة. من أبطال تلك الحرب رجل يدعى (دانيال ثيرونDaniel Theron ) صاحب الصور المرفقة بالمقال.. وكان له وحدة خاصة مسماة باسمه اسمها (وحدة استطلاع ثيرون Theron Reconnaissance Corps).

لقد امتطى (دانيال) جواد الحرب النفسية كذلك، لكنه لم يحاول قط أن يستخدم ذلك للتأثير على معنويات جنود العدو الإنجليزي.. لقد استخدمها لرفع روح جنوده وشد أزرهم، فكان دائمًا يشجعهم ويحفزهم.. يعاقب الجندي المهمل ويحتفي بالجندي المميز.

طبق أساليب (حرب العصابات Guerrilla warfare) وهي حرب طويلة الأمد قادرة على إنهاك أية جيش نظامي.. خاصة عندما لا يكون العدو واضحًا جليًّا .. ومن العسير تمييز المدني من المقاتل. أضف إلى ذلك أن جيش البوير كان يضم كثيرًا من غير الأفارقة داكني البشرة.. كان يضم هولنديين وأوروبيين.. ولدوا وعاشوا حياتهم على تلكم الأرض، وقرروا حمايتها، والدفاع عنها ضد الإنجليز.

نفذ (ثيرون) خططًا جديدة في الهجوم الخاطف.. وصار ينسحب بأقل خسائر ممكنة ويتوقع موطئ قدم الإنجليز ويهاجمهم قبلما ينصبون معسكراتهم.. بعدما قطعوا مسافة طويلة منهكة.. وكانت أساليبه فعالة،. لدرجة أن القائد العسكري البريطاني (لورد روبرتس Lord Roberts) قال عنه ذات مرة:

“هو أقوى شوكة في ظهر البريطانيين تمنعهم من الإنتصار”.

لقد وضع (لورد روبرتس) مكافأة مدهشة في ذلك الوقت، قدرها ألف جنيه استرليني، لمن يأتيه بـ (ثيرون) حيًا أو ميتًا.. وأطلق خلفه قوة مكونة من أربعة آلاف جندي، دونما جدوى.

كان (دانيال ثيرون) قد فاق كونه مجرد مقاتل في عقول (البوير).. لقد استحال إلى أسطورة حية، كالمجاهد الليبي الأشهر (عمر المختار) والسوري (يوسف العظمة) والمصري (أدهم الشرقاوي).

وكان (ثيرون) كثيرًا ما يرفض إرسال أحد أفراد وحدته للاستطلاع، فكان يستطلع قوات العدو وحده وقد يهجم منفردًا.. وكان في ذلك نهايته.

ففي 5 سبتمبر من العام 1900؛ تقدمت القوات الإنجليزية.. وكانت مرهقة بعد سير طويل.. وبعدما نصبت معسكرها.. أرسلت سرية عسكرية Company من سبعة أفراد لاستطلاع وتأمين ما حول المعسكر.

وفي الظلام على حافة المعسكر وسط الأشجار الكثيفة، قبع (دانيال) ينتظر.. وبهدوء وخفة.. علّق بندقيته على كتفه وترقب لحظة معينة، لينقضّ على السرية بخنجره، ويعمل سلاحه في الجنود الإنجليز بسرعة ومهارة.. ليلقى ستة جنود نحبهم، قبل أن يدركوا ما أصابهم.

ولكن جندي السرية الأخير رفع بندقيته على (ثيرون) من مسافة كبيرة.. ما اضطره لأن يسحب بندقيته بدوره و يطلق عليه النار.

تخلص من كل أفراد السرية، ولكن صوت رصاصته بلغ مسامع الجنود الإنجليز في معسكرهم.. ففتحوا نيرانهم عشوائيًا على البقعة التي سمعوا صوت الرصاص ينبعث منها.. وأصابت قذائفهم (ثيرون) في مقتل.

خبر وفاته كان بداية النهاية لقوات البوير.. الذين شعروا بالهزيمة فعليًا في أعماقهم، قبل أن يخوضوا أية معركة إضافية على الأرض.. و قال عنه القائد (دي وي General de Wet):

“إذا اقتصر الأمر على الشجاعة أو الشعبية فالرجال كثيرين و قد أجد ذلك بينهم.. لكن أين يمكن أن أجد رجلاً آخر يجمع كل هذه المهارات و الفضائل Men as lovable or as valiant there might be, but where shall I find a man who combined so many virtues and good qualities in one person” ؟

وكانت تلك الهزيمة النفسية المروعة، هي بداية النصر الإنجليزي، الذي تم بالفعل بعد 24 شهرًا فحسب من وفاة (ثيرون).. وبالتحديد في 31 مايو عام 1902.

هذا هو نموذج حروب الجيل الثاني.. سلاح خفيف.. تكنولوجيا محدودة.. أكمنة.. حروب عصابات.. حروب نفسية.

وهذا النموذج يختلف بالكلية عن حروب الجيل الثالث، سنتحدث عنها لاحقًا.

وللحديث بقية.

المزيد من الأخبار