الدكتور علاء حمودة يكتب : ماذا تعرف عن حروب الجيل الرابع ؟

الكاتب علاء حموده هو طبيب شرعي Forensic anthropologist وحاصل على دبلوم في القانون الدولي، صدر له في علم النفس الشرعي كتاب “حكايات مثيرة للأرق” ورواية “لوسيفر – قصة الأبد” عن دار روزنالمة للنشر والترجمة.

681

أخبار ليبيا 24 – خاص

سمعنا تلكم الجمل كثيرًا، وقرأنا عن تأثيرها كثيرًا .. “أجيال الحروب”، “الحرب الإليكترونية و”حرب الجيل الرابع”. اليوم نميط اللثام عن اللغز.. بسلاسة ويسر.

حرب الجيل الأول هي الحرب التي ييقف فيها “الرجال” بمعنى الكلمة في أي بقعة على سطح الأرض عبر التاريخ، لصد عدوان عن أرضهم أو دفاعاً عن أعراضهم ممتلكاتهم .. فكرة المواجهة “رجل لرجل”.. واحترام قواعد الهدنة وقانون البلد الأم.

“الإسبرطيين Spartans”.. كانوا أساتذة في حروب الجيل الأول .. المواجهة المباشرة .. كانوا أساتذة لدرجة إن استعمال القوس والسهم، وقذف العدو من مسافة – كان في عرفهم شيء مخجل، ونوع من الجبن وعدم الرجولة.

في حروب الجيل الأول تجد مفاهيم كادت في يومنا هذا أن تندثر؛ مفاهيم مثل “رجل” و”شرف” و”كرامة” و”حرية”، صافية؛ لم تتشوه معانيها .. تحمل معانيها الأصلية الراقية كفضائل عظمي.

وكانت إسبرطة ذات نظام خاص .. ففي إسبرطة كان لا يحق لأي شخص أن يحصل على قبر حفر فوقه اسمه بمنتهي الفخر سوى ثلاثة : 1 – الملك؛ 2 – جندي مات في معركة؛ 3 – وأم ماتت أثناء الوضع .

هؤلاء فقط من يستحقون التكريم .. وكانت “الأم” بينهم، لأنها ماتت وهي تقدم لإسبرطة ابن جديد .. تمنح للدولة مقاتل.

النساء في إسبرطة كن مكرمات تكريمًا عظيمًا .. المرأة كانت متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات ولها أن تحمل السلاح معه وتقاتل دفاعًا عن الأرض .

الطفل يتم فحصه بمجرد ولادته، فلو كان سليم الجسد قويًا .. فمبارك لأهله.. سيعيش لسن خمس سنوات ثم يلتحق بمدرسة عسكرية، أما لو كان ضعيفًا، أو مريضًا، أو مشوهًا، فيتم تركه عند سفح جبل “تايجتوس Taygetus” كي تفترسه الحيوانات.

لقد بدأت القصة بالفرس عندما قرروا غزو اليونان – وكانت دويلات مفككة – من ضمنها اسبرطة.

كيف يتصدى ثلاثمائة جندي لمليون رجل؟ لقد ذكر هذا الأمر في مواطن كثيرة، بعضها قال أن الفرس كانوا ثلاثمائة ألف، وبعضها قال ستمائة ألف.. قد يكون الرقم مبالغًا فيه لكن ليس كثيرًا .. لأنه لو خرج ثلاثمائة جندي لمواجهة ألفين أو خمسة، لما سجلها التاريخ كملحمة.. ففي جميع الأحوال هو رقم فادح يقترب من المليون ولقاء غير متكافيء بحال.

الممر الجبلي الذي سده الإسبرطيين “ثرموبيلاي Thermopylae”.. طريقة النطق مرفقة بالمراجع .. وكان المكان يسمى كذلك بـ “البوابات الساخنة The hot gates”.. السر هو وجود عيون طبيعية حارة في هذه المنطقة من أرض اليونان.

في حرب الجيل الأول يكون هناك دائما “عامل نفسي”.. أو ما يسمى بـ”الحرب النفسية ” Psychological warfare – PSYWAR”.. وهو ما يظهر تأثيره بوضوح أكبر في الحروب الحديثة.

خرج ملك إسبرطة “ليونايدس King Leonidas” مع حرسه الخاص.. ثلاثمائة جندي فقط لا غير – لأن مجلس شورى إسبرطة رفض خروج الجيش لحرب الفرس – وسد الثلاثمائة مقاتل الممر الجبلي .. ممر البوابات الساخنة.

وكان تشكيل الإسبرطيين اسمه “التشكيل السلامي The phalanx” أو “الفلنكس”.. تشكيل عسكري مربّع .. الكلمة لا أصل عربي لها، ومعربة إلي “سلامي” بمعني “مصطف كسلاميات الأصابع”.

كما هو واضح في أول وثاني صورة .. الفلنكس، كان غابة من الحراب والدروع، وكانت الدروع في ذلك التشكيل القتالي الرهيب تستند حوفها إلى بعضها البعض كحراشف الثعبان، مما يجعل اختراقها شبه مستحيل.

عندما كان يتم قذفهم بالسهام كان الإسبرطيين يتخذون تشكيلًا دفاعيًا يسمى “تشكيل السلحفاة” وهو واضح في ثالث ورابع صورة .. وكانت قوة الفلنكس تكمن في نقطة واحدة.. الإتحاد.

كان التشكيل يحارب كأنه وحدة واحدة .. وتتبدل الصفوف .. الصف الأمامي يصد ويدفع بالدروع .. والصف الخلفي يضرب بالرمح .. ثم يتقدم الصف الخلفي ليحمي بالدروع ويضرب الصف الثالث من خلفه بالرماح .. وهكذا.

لقد كانت حروب الجيل الأول تعتمد على تسليح الجندي وكفاءته القتالية وحسن تدريبه.. وكان هذا ملعب الإسبرطيين .. بخلاف إنهم مدربين منذ نعومة أظفارهم .. فهم كانوا عبارة عن تشكيلات “مشاة ثقيلة heavy infantry” .. دروعهم مزيج من النحاس والبرونز والحديد، ومن الداخل مصنوعة من خشب البلوط ووزنها 18 كيلوجرام .. كان الجندي يرتدي خوذة تقيلة تبين عينيه و أنفه فقط .. ساعديه وساقيه تخفيهما دروع البرونز ويحمل رمح وسيف.

رمح الإسبرطي كان ثقيل ومصنوع من خشب لا يطفو في الماء .. وزنه 12 كيلوجرام تقريبا وله حد معدني أمامي وحد خلفي .. والسيف كان وزنه 8 كيلوجرامات تقريبًا .. قصير لكن قاتل.

لكي يحمل الجندي كل هذه الأوزان و يقاتل ويناور ويتحرك بها كان لابد أن يكون قويًا للغاية.. بتلك الدروع والرماح، كان جندي مشاة إسبرطة أشبه بدبابة بشرية حية.

على العكس كان جنود الفرس مشاة خفيفة.. مسلحة بسيف ورمح ودرع خشبي .. وكان تشكيل الإسبرطيين مكون من حوالي ستة أو سبعة صفوف .. قاموا بسد ممر البوابات الساخنة الضيق بأجسادهم ودروعهم .. بينما يستقبلون افواج الفرس صفًا صفًا.

استمرت المواجهة، جيش الفرس مليء بالرجال لكنه يفتقر للـ”مقاتلين”.. بينما الإسبرطيين رجال قليلي العدد لكنهم مقاتلون.

مع شجاعة الإسبرطيين و انتصاراتهم الساحقة، قرر سبعة آلاف رجل من أبناء اليونان الانضمام إليهم في ساحة القتال. فوضعهم الإسبرطيون في خلف الصفوف، كخط دفاع أخير.

قرر ملك الفرس الدفع بقوات حرسه الخاص “الخالدون The Immortals”.. أقوي تشكيل عسكري في آسيا كلها وقتئذ.

لقد كانت مجزرة، وسقط من الفرس عشرة آلاف رجل و سقط من الإسبرطيين ثلاثون مقاتل.. وسبب هذا ارتباكًا هائلًا لملك الفرس.. فهو غير قادر على هزيمة ثلاثمائة رجل.. غير قادر على شرائهم.. وغير قادر على عبور الممر.

استمال ملك الفرس رجلًا يونانيًا يدعي “إيفيالتيس Ephialtes of Trachis”.. و كان راغبًا في الثراء السريع.. فدل الفرس على طريق خلفي يستطيعوا تطويق الإسبرطيين عبره. “إيفيالتيس Ephialtes” اسم علم.. تحول في اللغة اليونانية بسبب هذه الواقعة ليضحى معناه “الكابوس”.. وأحيانا يطلقونه حتى يومنا هذا على أي خائن.

لقد حوصر رجال اسبرطة وتم التطويق الكامل .. فقرر الرجال اتخاذ قرار خطير للغاية .. التضحية العظمى، التي لا يعرفها ولا يقدرها سوي الأبطال .. القتال حتى الموت طبقًا لقانون إسبرطة .. كي لا يقال أن قوات إسبرطة قد استسلمت أو فرت من الميدان.

مرت وثيقة جلدية بين الـثلاثمائة جندي .. كتب عليها كل منهم اسمه بمنتهي الفخر.. ستصل هذه الوثيقة لليونان وتجعل من حقهم شواهد قبور رمزية تحمل اسمائهم .. وتكتبها كذلك في التاريخ بحروف من نور.

لقد حانت ساعة الحقيقة، وتقدم منهم رسول فارسي على جواد من مسافة آمنة.. يطالبهم الإستسلام، وكان الرد هو رمح طائر من وسط الثلاثمائة مقاتل اخترق صدره وألقاه من فوق جواده جثة هامدة .. لقد قرر الإسبرطيين القتال حتى الموت. وكان هذا الرمح الطائر هو السطر الأخير في موقعة ثرموبيلاي.

لقد انتهت المعركة بموت الإسبرطيين حتى آخر رجل بعد مجزرة حقيقية لم يبع أيهم فيها حياته رخيصة. لم تذهب تلك التضحية هباء لأنها وصلت إلى “”ثيميستوكليس Themistocles” حاكم أثينا، فأطلق عبارته الخالدة “ليونايدس و رجاله لم ينهزموا.. بل إنتصروا انتصار عظيم”.. وبعدها يبدأ في حشد قواته ليوحد اليونان ضد الفرس.. وتم له ذلك بنجاح ساحق.

تلك كانت حروب الجيل الأول والتي قوامها المواجهة المباشرة.. رجل لرجل وسيف لسيف.. ملحمة من القتال والشجاعة والصمود والحديد والدم والنصر والهزيمة وتوقير الجسارة واحترام القانون.

حروب الجيل الأول تختلف عن حروب الجيل الثاني، والتي نتحدث عنها لاحقًا.

وللحديث بقية

الكاتب علاء حموده هو طبيب شرعي Forensic anthropologist وحاصل على دبلوم في القانون الدولي، صدر له في علم النفس الشرعي كتاب “حكايات مثيرة للأرق” ورواية “لوسيفر – قصة الأبد” عن دار روزنالمة للنشر والترجمة.

المزيد من الأخبار