الجزء الثاني…رأس الهلال الجنة الشرقية المحرمة

وادي مرقص الأسطوري و شجرة الشماري البرية

138

أخبار ليبيا24- خاص

منطقة رأس الهلال هي جنة من جنان ليبيا بل أكثرها تنوعا و تميزا, فهي منطقة غنية بالثروات الطبيعية والحياة البرية و التنوع النباتي المثير للدهشة و المعالم الدينية والتاريخية وآثار حقب وحضارات تعاقبت على المنطقة منذ القدم, تمتد من شرق مدينة سوسة و حتى منطقة لاثرون وتنتشر فيها منابع المياه العذبة التي تنبع من الصخر و تغذي أودية الجبل الأخضر, و من أشهر تلك العيون عين أستوه و هي نبع ماء مميز ينبع في أحد الأودية بالمنطقة يسمى وادي المهبول و هناك عين أم الناموس بوادي مرقص الشهير وعين رأس الهلال بوادي بالفو المعروفة بشلالها.

انتشار المسيحية

في بداية انتشار المسيحية في شمال أفريقيا بدأت الدعوة تأخذ في التنامي في منطقة برقة “سيرنيكا ” في القرن الأول للميلاد و خاصة مع عودة مرقص الرسول “أحد الرسل السبعين” للمسيح عليه السلام إلى مسقط رأسه و مرابع طفولته و عمله الدؤوب على نشر تعاليم المسيح في تلك الأنحاء و مع النهج العنيف الذي اتخذته الإمبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر على سواحل شمال أفريقيا و اضطهادها للمسحيين اضطر أغلبهم للجوء لأودية الجبل الأخضر الوعرة و اتخذوا من الأوشاز مساكنا و كنائس.

والأوشاز هي الكهوف المعلقة على منحدرات الأودية و تتميز بها منطقة الجبل الأخضر و رأس الهلال تحديدا فقد أكتشف المؤرخ الراحل (داوود حلاق) من مدينة شحات رفقة فريقه مابين عامي 1985 و 1987 كهوفا و كنائس معلقة لجاء إليها المسيحيون الأوائل هربا من جنود الإمبراطورية الرومانية و أشهرها على الإطلاق ما تم اكتشافه بوادي مرقص تحديدا من صروح و كنائس و بيوت معلقة أعلى منحدرات الوادي الذي يبلغ طوله حوالي 9 كيلومتر.

 

دواد حلاق عام 1987 داخل صرح مرقص الأنجيلي بوادي مرقص

مرقص الإنجيلي

لم يكن أحد يعلم تماما لما أطلق على الوادي أسم وادي مرقص فهو أسم قديم و لصيق بالوادي منذ قرون حتى تم هذا الاكتشاف على يدي حلاق و فريقه فقد عثروا على كنائس معلقة و تمثالا لرأس الأسد في أصل الصخر مهشما و المعروف أن الأسد هو رمز القديس مرقص , كما عثروا على ماقد يكون معمودية على مستوى قاع الوادي قرب مجرى مياه عين أم الناموس بالإضافة إلى صرح ديني متكامل محفور في الصخر أطلق عليه المكتشفين أسم صرح مرقص الإنجيلي.

مرقص الإنجيلي هو مؤسس كنيسة الإسكندرية و يعتبره أقباط مصر من أقدس الشخصيات الدينية لديهم وأحد كتاب الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى الديانة المسيحية “إنجيل مرقص” , والذي يعتقد (داوود حلاق) أنه كتبه في وادي غير بعيد عن أودية رأس الهلال بمنطقة كرسة المجاورة يسمى وادي الإنجيل بمغارة معلقة أيضا تسمى مغارة الإنجيل و يبعد الوادي عن وادي مرقص حوالي 15 كيلومترا , و يرجح حلاق أن مرقص اختلى بنفسه بعيدا عن أتباعه و قومه بوادي الإنجيل لكتابة سفره.

توجد العديد من ينابيع وعيون الماء بوادي مرقص

مقر مرقص

صرح مرقص كما يصفه (داوود حلاق) في كتابه أوشاز الأسلاف بمقر متعدد الأدوار أو الطبقات محفور في جرف صخري سحيق على ارتفاع حوالي 40 مترا من قعر الوادي و أهم دورين أو طبقتين في مقر مرقص هما الدور العلوي و الطبقة الواقعة أسفل هذا الدور و حسب وجهة نظر حلاق أن الدور العلوي يتكون من عدة غرف محفورة في الصخر كان مقر إقامة لإدارة الأعمال بدليل وجود خزان لحفظ المياه خلال موسم الشتاء مما دل على أن مجموعة من البشر كانت مستقرة في المقر لإدارة أعمال متواصلة وأعد هذا الدور العلوي بطريقة مخفية كليا عن الأنظار .

كما يحوي عددا من الغرف متابينة الأحجام و خزانات المياه و مخازن الغلال و يعتبره حلاق مقرا لإدارة أعمال مرقص الإنجيلي و ملاذا مخفيا لسنوات بعيدا عن ملاحقة الرومان .

أما الطبقة السفلى تمثل مرفقا هاما حيث يوجد به الحنية الرئيسية و الحنية هي ماتشبه المحراب و توجد بالكنائس و التي يحوط بكل جانب منها رأس أسد منحوت في أصل الصخر و المعروف أن الأسد هو رمز مرقص الإنجيلي كما هو معروف بالمراجع .

 

وادي مرقص
مقر الناموس بوادي مرقص يرجع للقرن الأول ميلادي , محفور في الصخر قرب مجرى عين ماء أم الناموس

 

إغلاق الوادي

بعد إعلان داوود حلاق عن اكتشافه و تردد رجال الدين من الكنيسة القبطية على تلك الأماكن برأس الهلال وأمر معمر القذافي بإغلاق الوادي ووضع حراسة مشددة عليه الأمر الذي يفسر ندرة الصور أو التغطيات لذلك الوادي وتلك الصروح الدينية المسيحية و أغلق منطقة الأودية بالكامل فترة التسعينيات القرن الماضي بسبب هروب الكثير من أفراد الجماعات المتطرفة التي تلاحقها أجهزة الأمن الليبية وخاصة في مدينة درنة القريبة و ظل الوادي مغلقا رغم محاولات ابنه سيف الإسلام بتنشيط المنطقة وإنجاز بعض مشروعات السياحة الدينية إلا أن ثورة فبراير أوقفت تلك المشاريع و فتح الوادي لفترة قصيرة لم تستمر طويلا حتى سيطرت عليه الجماعات المسلحة الإرهابية مجددا بداية من عام 2014 و رغم طرد الجيش لتلك الجماعات الإرهابية بداية من عام 2016 من الوادي وسيطرته عليه إلا أن الوادي مازال مغلقا بسبب الشكوك في هروب بعض أفراد تلك الجماعات و تحصنها بالوادي الوعر والسحيق فالمنطقة تعتبر من أصعب المناطق بتضاريسها و منحدراتها.

وادي مرقص

تميز وادي مرقص لايكمن فقط في هذه الصروح الصخرية التي يعود تاريخها للمسيحية الأولى , بل في كثرة منابع المياه و السواقي و الغطاء النباتي المتنوع و هو كغيره من أودية رأس الهلال المعروفة كوادي بالفو ووادي المهبول و حتى وادي مريم و غيرها كلها تحتوي على ينابيع مياه طبيعية ساهمت في كثافة الغابات و تنوع النباتات بالإضافة إلى انتشار الأشجار المثمرة قرب الينابيع المائية كالتين والعنب والرمان و التي فيما يبدو زرعت منذ قرون في تلك المناطق .

شجرة الشماري و تسمى علميا شجرة القطلب هي أكثر الأشجار تواجدًا وتميزًا بمنطقة رأس الهلال فهي تنشر تقريبا في كامل المنطقة و هي شجرة برية لها ثمار حلوة المذاق و مغذية تسمى العجور لونها برتقالي يميل للأحمر عند نضجها , سكان الجبل الأخضر و غيرها من المناطق القريبة اعتادوا قطفها و التلذذ بمذاقها في كل موسم شتوي و كما أن نحل العسل يتغذى على رحيق أزهارها التي تمسى الحنون و ينتج نوعا من العسل المر الذي يطلق عليه أسم الزهرة ” عسل الحنون ” و هو صحي ويستخدم في علاج الأمراض.

 

غابات الشماري

غابات الشماري تغطي منطقة واسعة من رأس الهلال خاصة منطقة بالفو و منحدرات الأودية و هي أشجار دائمة الخضرة تكسب تلك المنطقة لونا أخضر بديع طوال السنة تتزين في أول الشتاء وآخره بثمارها وأزهارها .

هناك أنواع كثيرة لاحصر لها من الأشجار و النباتات بمنطقة رأس الهلال إلا أن شجرة الشماري لازلت هي الشجرة الأشهر من بينها , هناك أشجار العرعار و الخروب و غيرها من الأشجار البرية و النباتات العجيبة .

و تصل غابات رأس الهلال دون كل غابات الجبل الأخضر التي تنتهي على تخوم درنة إلى ساحل البحر وتنمو الأشجار في مناطق قريبة من الشاطئ بما فيها الشماري.

غابات الشماري

 

 

مقالات ذات صلة