رأس الهلال الجنة الشرقية المحرمة .. الجزء الأول 

ولطالما كانت وجهة الحكام ومنتجع للخاصة حتى في العهود القديمة ، فهناك نصب فخمة ترجع للعهد الإغريقي لقبور ربما كانت لنبلاء إغريق

188

أخبار ليبيا 24 – خاص

على امتداد الساحل الليبي هناك مناطق كثيرة تتصف بالجمال والطبيعة الخلابة وقيمتها السياحية, وتتميز بشواطئ نظيفة وعذرية لم تلوثها مخلفات البشر، و لم تمتد إليها أيادي الورثة والمنتفعين بالطرق الشرعية وغير الشرعية , حتى الحكومات المتعاقبة على هذا البلد لم تكلف ميزانياتها تكاليف الاهتمام بها وتغيير طبيعتها التي استمرت على حالها ربما منذ نشأة الأرض .

وتعتبر منطقة “رأس الهلال” استثناءً على طول الساحل الذي يقدر بألف و تسعمائة كيلومتر , فهي المنطقة الوحيدة التي تتداخل فيها الغابة بأشجارها البرية مع شاطئ البحر الأبيض المتوسط وتنمو على بعد أمتار فقط من رمل الساحل .

تنمو الأشجار على بعد أمتار قليلة من الشاطئ

نصب فخمة

رأس الهلال جنة محرمة لعقود على الليبيين , ولطالما كانت وجهة الحكام ومنتجع للخاصة حتى في العهود القديمة، فهناك نصب فخمة ترجع للعهد الإغريقي لقبور ربما كانت لنبلاء إغريق بين أحراش أشجار “الشماري” التي تتميز بها المنطقة وهي شجرة متوسطية برية تسمى “القطلب” في المراجع العلمية وهي إحدى الأنواع القليلة التي تميز التنوع البيئي والنباتي للجبل الأخضر شرق ليبيا ذات ثمار برتقالية حلوة المذاق .

أعلى الجبل وقرب شلال رأس الهلال الشهير توجد استراحة للحاكم الإيطالي “بالبو” الذي حكم ليبيا أبان فترة الاستعمار الإيطالي مابين عامي 1934 و حتى وفاته 1940   ، والذي ورث حس الإغريق والرومان بالمكان ووجد فيه ما يمنحه شيئاً من السكينة والهدوء بعيداً عن مشاغل ومتاعب الحكم.

نصب إغريقي على قبر قديم وسط عابة الشماري براس الهلال , تعرض للرصاص أثناء معارك الجيش الليبي ضد المتطرفين بالمنطقة

 

مدح الحاكم

إيتالو بالبو

الاستراحة حالياً موجودة أعلى الشلال مهملة وخالية وتعرضت للنهب والتآكل رغم أنها تعتبر معلماً تاريخياً شاهداً على حقبة من الحقب التي مرت بها البلاد , يمكن الوصول إلى استراحة “بالبو” عبر طريق فرعي متعرج أعلى “وادي بالفو” .

“بالفو” هو الاسم الذي يطلق على تلك المساحة من رأس الهلال الممتدة من أسفل الوادي مروراً بالشلال وحتى بساتين الشماري وأشجار الزيتون شبه البرية التي تتداخل مع حدود منطقة لملودة في الجنوب, ليس معروفاً تماماً , لما أطلق على تلك المنطقة هذا الاسم ولكن يعتقد أنه تحريف لاسم الحاكم الإيطالي الذي اتخذ من المنطقة منتجعاً فترة حكمه لليبيا باسم الدوتشي الفاشيستي, على الرغم من السمعة السيئة للفاشية والفاشيين إلا أن الكثير من روايات التاريخ التي نقلت عن الليبيين تمدح الحاكم وتعكس ملامحاً لعهد من الازدهار والسلام اللذان شهدتهما ليبيا فترة حكم “إيتالو بالبو” .

 


 

شلال راس الهلال , شلال بالفو و يقع بوادي بالفو قرب إستراحة بالبو , صعوبة نزول منحدر الوادي للشلال ساعدت في إحتفاظ المكان بخصويته الطبيعية حيث يستلزم النزول أليه جهدا كبيرا لوقوعه في منطقة شديدة الإنحدار في عمق الوادي

 

 


إقامة الحاكم الإيطالي بالبو المطلة على وادي الشلال براس الهلال , تصوير علي الساعدي

 


عائلة القذافي

ينطق أهالي تلك المنطقة والجبل الأخضر عموماً كلمة “بالفو” بطريقة لاتبدو كما تُكتب في المراجع فهم بالكاد ينطقون الألف حتى يبدو للسامع أن الاسم “بلفو” , باللهجة البرقاوية الجبلية .

في الجهة المقابلة، لوادي “بالفو” على الساحل توجد بلدة رأس الهلال وهي بلدة صغيرة على شاطئ البحر المتوسط لايتعدى عدد سكانها 3000 نسمة, وبحسب بعض المراجع فإن المنطقة أخذت اسمها من شكل الخليج الذي يبدو كالهلال عند النظر إليه من أعلى الجبل .

خلال أربعة عقود من حكم عائلة القذافي لليبيا اتخذوها منتجعاً كما هو حال حكام ليبيا عبر التاريخ ، واستمرت تلك القطعة الساحرة من ليبيا محرمة ومطوقة بالهواجس الأمنية والحماية المبالغ فيها لخاصة النظام , في تسعينات القرن الماضي عكر صفو تلك الأحراش والغابات الممتدة على سفح الجبل القديم المقابل للخليج حريق هائل أتى على معظم الأشجار وجرد الهضاب العالية من ردائها الأخضر الخلاب , لم يكن ذلك الحريق عادياً ، أو نتاج ظاهرة طبيعة إنما كان بأوامر عليا ولاحتياطات أمنية اتخذتها السلطات عندما نشطت جماعات متطرفة في تلك الأنحاء وخاصة في مدينة درنة القريبة التي لاتبعد أكثر من أربعين كيلومتر شرقاً بعد حملات كبيرة شنتها الأجهزة الأمنية لملاحقة أفراد تلك الجماعات لجأ الكثير منهم إلى الاختباء في أودية وكهوف الجبل وخاصة القريبة من رأس الهلال حيث تتوفر فيها مياه الينابيع الطبيعية وثمار الأشجار .

افتعال حريق

ولما كانت المخاطر من تسلل أفراد تلك الجماعات من الأحراش وسفوح الجبل إلى رأس الهلال واردة بسبب التواجد المتقطع لبعض من أفراد عائلة القذافي وخاصة ابنه “سيف الإسلام” الذي عرف عنه اهتمامه بالمنطقة وخاصة مينائها والمساحة المحيطة به, جرى افتعال حريق من قبل السلطات ربما بأوامر من سيف الإسلام نفسه لتجريد سفح الجبل المقابل من الغطاء النباتي حتى لا يستخدمه المتطرفون غطاءً لأي هجوم محتمل على رأس الهلال ومصيفها, لازلت آثار تلك الحرائق ماثلة للعيان رغم نمو الكثير من الأشجار في عودة ملحمية من الرماد والأغصان المتفحمة مما منح تلك الجهة سحراً خاصاً و مكاناً في تاريخ ليبيا الحديث .

بعد ثورة فبراير تحررت رأس الهلال بشكل كبير من قيودها وفتحت الجنة المحرمة أبوابها وصارت وجهة سياحية خاصة لليبيين وصار بالإمكان زيارة المنطقة دون إجراءات أمنية أو تخوف, واستعادت المنطقة شيئاً من نشاطها السياحي فلم تعد ملكية خاصة لأي نظام ، أو نخب حاكمة وصار بإمكان الليبيين زيارتها والتمتع بشواطئها وطبيعتها وغاباتها وحتى شلالها المميز الذي تنساب مياهه أسفل “وادي بالفو”، أو “بلفو” كما يحب أهل تلك المنطقة تسميته منذ آلاف السنين .

جماعات متطرفة

لم تلبث تلك المنطقة حتى عادت تحت سيطرة جماعات متطرفة تتخذ من مدينة درنة القريبة معقلاً لها وسيطرت على ميناء رأس الهلال لتستخدمه لأغراضها ، وأغلقت الجنة أبوابها وصارت تحت الوصاية مجدداً وتحت حكم الدولة الإسلامية وإمارة رأس الهلال كما كتب على إحدى ملصقات السيارات التابعة للتنظيم , وتراجعت مستويات السياحة الداخلية, ودخلت في حالة ركود وصار الكثيرين يتخوفون من ارتيادها خشية أي عمل عدائي من تنظيم “داعش” الإرهابي .

استمرت سيطرة الجماعات الإرهابية على رأس الهلال حتى عام 2014 عندما تراجعت شرقاً باتجاه بلدة كرسة ، ومدينة درنة مع تقدم قوات الجيش الليبي بعد بدء عملية الكرامة ، وأصبحت تشهد توتراً وحذرا أمنيين مما جعلها أيضاً شبه معزولة وتحت المراقبة الدائمة ومنطقة عسكرية مغلقة, وعلى الرغم من تعرض الميناء للقصف الجوي من الجيش لقواعد الإرهابيين وزوراقهم قبل السيطرة عليه وتحريره من قبضتهم إلا أن الميناء حافظ على بنيته و صار الآن تحت إدارة قيادة الجيش يشاركهم بعض الصيادين المحليين الذين يتخذونه نقطة انطلاق للخليج المليئ بالثروات السمكية والكائنات البحرية المتنوعة .

ميناء راس الهلال

في الوقت الحالي المنطقة شبه مفتوحة ويرتادها الزوار بعد تقدم وسيطرة الجيش الليبي على درنة وضربه للجماعات الإرهابية وملاحقته لأفرادها ولكنها تشهد تشديداً أمنياً بمنطقة الميناء والمساحات التي حولها , مع إغلاق للطريق الرئيسي للميناء وتواجد نقطة تفتيش ورقابة دورية لمحيطه , فيما عدا ذلك يمكن زيارة غابات المنطقة الغنية بالمناظر الطبيعية و زيارة شلال رأس الهلال “شلال بالفو”، وارتياد شاطئ ومصيف رأس الهلال دون محاذير أمنية أو عسكرية, الجنة فتحت أبوابها مجدداً رغم أنها ظلت محرمة في بعض أجزائها .

 


راس الهلال تقع على شواطئ الجبل الأخضر شرق ليبيا

راس الهلال

 

خليج راس الهلال و تظهر بعض الكهوف البحرية بالشاطئ

 

 


يتبع : الجزء الثاني : حكاية الشاطئ والشلال والوادي … وملحمة شجرة الشماري الأبدية .


 

المزيد من الأخبار