حررت الرقة من قبضة داعش ولكن نزيف أهلها لم يجف

34

بقلم/إبراهيم علي

ما لبث أهالي الرقة تنفس الصعداء احتفالا بتحرير مدينتهم من قبضة تنظيم داعش الإرهابي حتى سقطت سحابة سوداء حجبت الفرح والأمل والنور, وسرعان ما أدرك الأهالي المرهقون أن هزيمة داعش عسكريا وتدمير دولته المزعومة واندحار الدواعش عن الأرض لا يعني التخلص من شره ومخلفات إجرامه.

فمع كل صرخة طفل مارس حقه المشروع باللعب والذهاب إلى المدرسة لينفجر تحت قدميه لغم من آثار داعش يدرك الأهالي أن الطريق نحو التحرير طويلة ووعرة ومؤلمة خاصة للأطفال مبتوري الأطراف.

احتل تنظيم داعش الرقة في 2014 وأعلنها عاصمة لخلافته, فغير معالمها ودمر منازلها وقتل أهلها واعتقل شبابها وسحق شعبها وأغلق كنائسها وحرم الديانات وفرض العقوبات وخنق الحريات وجند الأطفال وحرمهم من الدراسة.

أما نساء المدينة فواجهن ألاف المآسي والمواجع , من الزواج القسري إلى قوانين قد تشيب لها الروؤس مروراً على حالات الجلد والتعذيب التي يمرون بها على أبسط الأمور.

خلال فترة حكمه، أجبر تنظيم داعش سكان المدينة، التي أعلن أنها عاصمة الخلافة, على اتّباع قوانينها المتطرفة، وأولئك الذين خالفوا قتلوا بالصلب أو بطرق وحشية أخرى على العلن.

وفي أكتوبر 2017، بعد معركة استمرت أربعة أشهر، تمكنت قوات سورية الديمقراطية من السيطرة على المدينة ودحر تنظيم داعش، لكن على الرغم من هزيمة التنظيم في الرقة، لم ينته داعش من إلحاق الضرر بسكّان المدينة.

وكما قال أحد مقاتلي داعش للمدنيين قبل الانسحاب من المدينة، “الأرض ستقاتل من أجلنا”، وإحدى طرق “الأرض تقاتل معنا” لداعش هي من خلال الألغام الأرضية.

لم يكتف داعش بمسخ مدينة الرقة أثناء اتخاذها عاصمة لدولته المتوحشة، بل أراد حتى بعد خروجه منها محو أي أثر للحياة فوقها فراح يُلغم كل شبر فيها، بتعمد وتخطيط خبيثين.

الوثائقي التلفزيوني الألماني “إزالة ألغام الرقة” ذهب إليها وتابع عمليات تفكيك الألغام والعبوات الناسفة وتوثيق ما تركه المنفجر منها، من آثار على أجساد أهاليها خصوصاً الأطفال.

يرافق معد الوثائقي أفراد من «وحدة هندسة الألغام» كانوا في طريقهم إلى تنظيف بيت مواطن اتصل بهم وطلب مساعدتهم، وأثناء توجهه إلى تنفيذ المهمة، قدم صورة موجزة لما يقومون به والصعوبات التي يواجهونها يومياً: «الآن نحن في طريقنا الى بيت رجل أخذ الدواعش بيته وبعد هروبهم يريد الدخول إليه”.

كل يوم تصلنا عشرات الطلبات المشابهة، فالناس تخاف دخول أي مكان تركه المتشددون خلفهم، مخاوفهم مشروعة بعدما رأوا من تفجيرات أودت بحياة الكثير من سكان مدينتهم.

أمام بوابة المنزل يقابل رجلاً انفجر لغم تحت قدمي واحد من أولاده أثناء لعبه الكرة مع إخوته، أخبرهم والحزن بادٍ على محياه: «فقدت ابني، وأودلاي الثلاثة المتبقون تمزقت أجسادهم، ويرقدون الآن داخل المستشفى بين الحياة والموت».

طبيب المستشفى يقدم أرقاماً تقريبية تشير إلى موت حوالى 250 طفلاً بالألغام وعدد أكبر من ذلك بكثير فقدوا أجزاء من أجسادهم.

ويحرص الوثائقي على نقل الجو الحزين المخيم على أقسام المستشفى وحالة الأطفال المؤلمة داخل ردهاتها ويسلط الضوء على الأساليب الخبيثة التي استخدمها الدواعش في صناعة وإعداد الألغام لقتل الأبرياء فهم يستخدمون كل وسيلة لإلحاق أكبر قدر من الأذى بالناس.

يشحنون بالمواد المتفجرة قناني المشروبات الغازية ويصنعون عبوات على شكل كتب، ويلغمون المزابل! أما أكثر أهدافهم خطورة على المدنيين، كما يقول المهندس محمد حسن، فهي “المدارس هم يعرفون أنه مع بدء الموسم الدراسي الجديد سيعود التلاميذ إليها، وبتلغيمها سيلحقون أكبر قدر من الإصابات بين صفوفهم”.

مقالات ذات صلة