ليبيا واحتكار الديمقراطية

10

بقلم د.جبريل العبيدي .
التحول الديمقراطي والتغيير السياسي في ليبيا ، تعترية العديد من العلل والإشكاليات والتجاذبات ، ومنها محاولات الهيمنة للجماعات المؤدلجة أو ما يعرف ” بالإسلام ” السياسي وممارسة احتكار الديمقراطية من خلال استخدام لعبة الديمقراطية مرة واحدة ثم الانقلاب عليها والتنكر لها كما حدث عقب خسارتها للانتخابات البرلمانية التي عقبت انتهاء ولاية المؤتمر الوطني حيث كانت تهيمن تلك الجماعات ، رغم أن التعثر ليست مسؤولة عنه جماعات الاسلام السياسي لوحدها ، فحتى القوى الاخرى شريك في فشل التحول الديمقراطي ، كما أن بروز تدخلات خارجية في مسار التحول السياسي ، ومحاولة رسمه بشكل محدد وفق إطار معين ، وتفشي حالة اليأس من الخروج من حلبة الطاحونة ، التي ندفع بها للبقاء فيها لضمان دورانها ، مما يدفعنا نحو السؤال عن أسباب التعثر في تحقيق مبادئ الديمقراطية ؟ وعن اى نوع ديمقراطية نبحث ؟ وهل نحن نتجه نحو حالة استبداد واحتكار ديمقراطي في ظل فوضى السلاح وسيطرة المليشيات وتحولها إلى أوصياء على “الثورة ” .
فالنسخة الليبية من ” ديمقراطية ” السلاح التي قد تخيرك بين القتل بالرصاص ام بالذبح بالسكين ، في ظل وجود أوصياء الثورة ، بدلا من ديمقراطية المشاركة والشراكة السياسية ، وصياغة دستور توافقي ، وهذا يجرنا نحو كارثة ديمقراطية بسبب كتابة العقد الاجتماعي ( الدستور ) بيد واحدة ، لا تصلح حتى للتصفيق ، فقراءة المشهد بعين عوراء ، لا يخدم المشهد السياسي الليبي ، وقد يذهب بنا نحو طريق مسدود ، من بين مؤشراته الاتجاه نحو ” ديمقراطية ” فئوية بنكهة العزل السياسي ، الذي اتخذ منه البعض قميص عثمان وإظهاره على أنه طوق النجاة ، وحقيقة الأمر انه تجريم دون اثبات جرم ، وتجريم للمنصب بالمطلق ، دون النظر للجرم ، وهذا مخالف لأبجديات العدالة ودولة القانون ، التي ينادِ بها الجميع ، فالعزل السياسي إحدى المشكلات التي ستعرقل اى تحول ديمقراطي حقيقي ، فأنصار العزل السياسي يتذرعون بتأمين الثورة ، دون النظر إلى سلبياته ، قبل أن يتخذ البرلمان خطوة جريئة بإلغائه .
فالعزل السياسي يستند إلى خصومة سياسية لا جنائية ، مما يجعله مخالف للعدالة وللنهج الديمقراطي ، ولا يخدم السلم الاجتماعي وقيام دولة القانون ، إنما يعطي الفرصة ويخلي الساحة لهيمنة الحزب الواحد والإيديولوجية الواحدة ، والتي ستنتهي بالبلاد إلى الدولة الأوتوقراطية بدلا من الديمقراطية .
ففي ليبيا أزمة أحزاب سياسية وجماعات دينية ، لا أزمة وطنية ، فالوطن يعاني بسبب خلافات بين هؤلاء جعلت من الفيتو ،اللغة المتبادلة و السائدة بينهم ، فالمشهد السياسي الليبي الحالي ضبابي ، مرتهن الإرادة ، في ظل وجود هذا الصراع الحزبي المعلن ، وغياب تمثيل حقيقي للشعب في إطار حزبي بشكل صحيح نظرا لعدم وجود حضور حزبي حقيقي في الشارع والمجتمع وتدخل خارجي مباشر وحالة حرب بالوكالة على الأرض الليبية بين اطراف دولية واقليمية تقاطعت مصالحها في ليبيا .
المجتمع الليبي ذو التركيبة القبلية في الأصل ، يجعل من اى شكل حزبي ، يفتقر لاي وجود فاعل ضمن حراك مجتمعي ، يستظل بموروث قبلي لا حزبي .
اختزال ليبيا ورهن إرادة شعبها في إطار حزبي ضيق ، يحمل ” بعضها ” أفكار ورؤية بل حتى ولاءات خارجية ، ثبت فشلها في بلدانها ، يجعل من محاولة استنساخها أو إعادة إنتاجها في ليبيا مرفوض بالمطلق ، فحرية الإرادة التي هي سلوك الإنسان وتصرفاته تنبع من إرادته الحرة بالكامل دون تدخل من اى طرف .
فمصلحة الوطن تستوجب أن يكون خارج فوضى التشويشات النفعية الخاصة ، فتلك انتهازية واستبداد حزبي في وطن يلتمس طريقه نحو بناء دولة الجميع ، يأمل أن يكون المرء فيها مواطنا حرا له كامل حقوق المواطنة ، دون الحاجة إلى ملئ استمارة انتماء حزبي .

 

لدكتور جبريل العبيدي كاتب وأكاديمي ليبي و محاضر بكلية الطب جامعة بنغازي . كتب لصحف القدس العربي والعرب العالمية والشرق الأوسط اللندنية. صدر له ثلاث كتب :

1- رؤية نشر الدار المصرية اللبنانية

2 – الحقيقة المغيبة

3 – معاناة خديج

AfterPost
مقالات ذات صلة