الانغماسيون

أخبارليبيا24

عمد داعش منذ ظهوره على نشر الرعب في المناطق التي انتشر فيها متخذًا من أسلوب التفجيرات وسيلة لتحقيق أغراضه بالسيطرة على مزيد من الأراضي، حيث عمل على الزّج بفئة من عناصره تدعى “الانغماسيون”

وبالنسبة لليبيا، فقد كان أول ظهور لداعش في مدينة درنة في شرق البلاد، سنة 2014 حيث تحولت المدينة التي اشتهرت بـ (مدينة الفن والثقافة والفل) إلى مقصد لعناصر التنظيم من داخل البلاد وخارجها.

وما هي إلا أشهر معدودة حتى أصبحت المدينة مقصدًا لـ (الذئاب المنفردة) و(الخلايا النائمة) والتي تقاطروا عليها من كل حدب وصوب، إذ عمد منظري الفكر المتطرف إلى إرسال الدعوات لعناصر التنظيم المتطرف في الداخل والخارج، للاستقرار في درنة والتخطيط للانتشار في مختلف المدن والقرى.

في تلك الفترة كانت خلايا التنظيم منتشرة في أغلب المدن الليبية، تفجر في طرابلس وتغتال في بنغازي، كما كان بعضها يجوب الصحراء دون رقيب أو حسيب، وقد كانت عملياتهم تستهدف بين الفينة والأخرى البوابات الأمنية والثكنات العسكرية والسفارات والبعثات الأجنبية، وكذلك بعض الحقول النفطية.

وبالتزامن مع وجوده في درنة هاجم داعش عدد من الحقول النفطية والتي من بينها حقلا الظهرة والغاني النفطيين بالكامل وتم تخريبهما، كما هاجم بصهريج معبأة بالمتفجرات يقوده انغماسي في معسكر تدريب للجيش في زليتن، وكذلك بوابات أمنية في ترهونة وخشوم الخيل وزلة والفقهاء ومرادة، بينما صبراتة انتفضت ضد خلايا التنظيم الذي فشل في إعلان إمارته الداعشية فيها.

وبعد درنة وصبراتة حوّل داعش أنظاره إلى مدينة سرت الخالية من أي قوه عسكرية، وكان المقصد هو قلب ليبيا المطل على البحر المتوسط، وفي ذلك الوقت كانت الصخيرات المغربية هي المدينة الأهم لدى أغلب السياسيين، حيث كانت نشرات الأخبار تنقل أخبار الساسة المتصارعين فالصخيرات، دون أي اهتمام بما كان يحدث في سرت.

كان على جميع السكان في المنطقة الممتدة من قرية النوفلية شرقاً إلى قرية أبوقرين غرباً ومروراً بسرت مبايعة (أمير المؤمنين) أبوبكر البغدادي، خليفة داعش.

ذاك الخليفة المزعوم يُعين واليًا للتنظيم على ليبيا، وهو المدعو (الشيخ) محمد السوداني. وقد فرض على كل من كان موظفا في وزارة الدفاع أو الداخلية أو كان موظفا في أحد المصارف أو في إحدى الشركات النفطية الاستتابة والتبرؤ من الطاغوت !

ديوان الحسبة يجمع الزكاة من أصحاب المحلات ومن مربي الحيوانات، ومن يمتنع عن الدفع حسب شرع التنظيم كان كافرا ويحل قتله !

مع مطلع سنة 2016 كان التنظيم يتوسع ويتمدد ويستمد قوته من أمرين أساسيين أولهما انتصارات داعش في العراق وسوريا، والتي كانت تضفي على التنظيم “نشوة النصر” وتشد من أزره، بالإضافة إلى سياسة التنظيم في نشر الرعب والإرهاب والتنكيل في كل مكان يحل به.

كانت عمليات الإعدام والقتل الممنهجة تطال أي شخص لا يسلم بشرعية دولتهم المزعومة، وكانت جثث الضحايا تُصلب وتعلق على الطرقات حتى تتحلل لنشر أكبر قدر من الرعب في قلوب الأهالي، بالإضافة إلى ذلك في عمد التنظيم على توثيق عمليات الإعدام والذبح والرمي بالرصاص في مقاطع فيديو مصورة بحرفية عالية تنشر على موقع الانترنت لإرهاب خصومه.

وبحلول أبريل 2016 مقاتلي التنظيم يتقدمون في اتجاه الغرب مزهوين بانتصاراتهم متهللين بقرب قيام دولتهم المزعومة، لكن الحكومة القابعة بعيدا في العاصمة طرابلس استشعرت خطورة الموقف واتخذت قرار تحرير سرت من هذا الورم، وقد شكلت لتنفيذ تلك العملية قوة مسلحة أطلقت عليها (البنيان المرصوص).

ومع مطلع مايو 2016 تحول داعش من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع، وبدأ في إطلاق سلسلة عمليات انتحارية يسميها بـ “العمليات الانغماسية” ومنفديها يطلق عليهم (الانغماسيون) على أمل منه، بأن توقف هذه العمليات تقدم قوات البنيان نحو سرت.

امتدت هذه العمليات الانتحارية من السدادة إلى أبوقرين والهيشة والوشكة واستخدمت فيها الشاحنات المملوءة بقنابل الطائرات والمصفحة بالحديد، لتتوغل داخل قوات البنيان قبل أن تنفجر .

وبالرغم من هذا إلا أن الانغماسيون فشلوا في وقف تقدم قوات البنيان نحو سرت إلى أن وجد التنظيم قواته محاصرة داخل المدينة ومن جميع الاتجاهات، مما جعله يغير من تكتيكاته القتالية ويعتمد على القناصة المنتشرين على أسطح المباني ويعمد إلى تفخيخ المباني السكنية قبل مغادرتها، في المقابل كانت قوات البنيان المرصوص تضيق الخناق أكثر فأكثر، على فلول التنظيم.

وبحلول أكتوبر 2016 كانت بقايا التنظيم محصورة في حي (الجيزة البحرية) تطوقها قوات البنيان المرصوص برا وبحرا، وبالرغم من كل جرائم هذا التنظيم إلا أن تعاليم الدين الإسلامي أولا ومن ثم الشرف العسكري، حتما على قوات البنيان إيقاف الاشتباك مع بقايا الانغماسيين، لتأمين خروج نساء وأطفال مقاتلي التنظيم بعد أن تم اعطائهم الأمان .

ليسدل الستار بعدها على فصل آخر من فصول حلم تلك الفئة الباغية بإقامة دولتهم الموبوءة على تراب ليبيا.

Exit mobile version