“الحاكمية” بوابة دخول الإرهابيين لعقول المغرر بهم

أخبار ليبيا24

عرض مسلسل “الاختيار” في حلقته الثالثة لبدايات تأصيل الفكر التكفيري لدى الإرهابي هشام عشماوي عندما كان صبيا ، حين تلقى بدايات هذا الفكر المنحرف على يد عضو مكتب الإرشاد لتنظيم الإخوان الإرهابي عبدالستار فتح الله.

ونصح فتح الله وهو من رفقاء سيد قطب مُنظر التكفير الأول لدى الجماعات الإرهابية بالقراءة لكتابين من كتب أبوالأعلى المودودي وسيد قطب الذين يريان أن الحاكمية تحكيم شرع الله وأن يكون الحكم لله على طريقة وضع السم بالعسل وهو ما يذكر بقول الصحابي علي ابن أبي طالب كلمة حق أريد بها باطلا في رده على المُحكّمة الأوائل – المعروفون تراثيًا بالخوارج.

وكان هذا المصطلح رهين التراث إلا أن استجلبه منها الباكستاني «أبو الأعلى المودودي» في التنظير للحاكمية إبان إنشائه للجماعة الإسلامية، وملخص ما أورده في كتابه المصطلحات الأربعة في القرآن‘ وهي الإله، والرب، والعبادة، والدين، حيث فسر كلمة الإله بأنه الحاكم، والألوهية بالحاكمية، والعبودية بأنها الطاعة لحكم الله، وقال: الله له الحكم والسلطة، والخلق ليس لهم إلا الطاعة المطلقة، ومن يدعي أن له حرية في أن يحكم أو يصدر قوانين يخضع لها البشر فهو كافر; لأنه ينازع الألوهية في أخص خصائصها وهي الحاكمية.

ولكن سيد قطب هو من أصَّل لهذا الفكر ونشره بين التكفيريين في تفسيره لآية «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما» ، وآية “ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلائك هم الكافرون”. حيث يقول في تفسيرها أنها شرط الإيمان وحدّ الإسلام، وإذا كان يكفي لإثبات (الإسلام) أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله، فإنه لا يكفي في (الإيمان) هذا ما لم يصحبه الرضا النفسي والقبول القلبي وإسلام القلب والجنان في اطمئنان.

شيخ الأزهر الشريف وإمام الوسطية الدكتور أحمد الطيب، أكد أن مفهوم سيد قطب للحاكمية ما أنزل الله لها من سلطان، وأن هذا المفهوم هو الدافع وراء الجماعات المسلحة وقتالها للمجتمع، حيث ادعى قطب أن المجتمعات التي تعيش فيها الأمة الإسلامية الآن هي مجتمعات جاهلية، ولم يشبهها بالجاهلية الأولى الوثنية، ولكنه قارنها بجاهلية الأمة الإسلامية حاليا; لأن الجاهلية الأولى كانت جاهلية عبادة أوثان فقط، أما جاهلية الأمة الإسلامية الآن كما قال سيد قطب – جاهلية مركبة، وهي أهم المبادئ التي تم الاستناد إليها في تكفير حكام المسلمين على اعتبار أنهم وفقا لقطب نصبوا أنفسهم أصناما بوضع القوانين والتشريعات الوضعية.

وقد وردت أفكارا شبيهة بهذه عرضت للتكفير والحاكمية في كتابات حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان مبكرا قبل مجيء سيد قطب ولكنها كانت أقل صدامية ومتخفية بين الكتابات خاصة في رسالة المؤتمر الخامس يقول فيها “لقد جاء الإسلام نظامًا وإمامًا، دينًا ودولة، تشريعاً وتنفيذاً، فبقي النظام وزال الإمام، أليس هذا هو الواقع أيها الإخوان ؟! وإلا فأين الحكم بما أنزل الله في الدماء والأموال والأعراض؟ والإخوان المسلمون يعلمون ليتأيد النظام بالحكام، ولتحيا من جديد دولة الإسلام، ولتشمل بالنفاذ هذه الأحكام، ولتقوم في الناس حكومة مسلمة.

ومن اللافت أن هؤلاء الذين يرون القوانين الوضعية والديموقراطية كفر لأنها تخالف الحاكمية قد شاركوا في الانتخابات ومنهم أبو الأعلى المودودي نفسه، عندما استقلت باكستان عن الهند، كما أن هؤلاء لو افترضنا صحة نظريتهم حول الحاكمية وأن الحكم الدنيوي ليس إلا لشرع الله فإن ذلك يحتاج لرجال لتنفذه ، وهم أنفسهم لا يدركون متى يبدأ الإنساني ومتى ينتهي ما يرونه سماوي في هذا التحكيم، كما أنهم يلغون جزءا شرعيا وهو الأحكام الوضعية -القوانين- التي يراها كثيرون مقابل أحكام التعزير في التراث.

التفسير الصحيح لآية الحاكمية يقول الأستاذ أحمد الشربجي في دراسة حول تحريف مصطلح الحاكمية إن أرجح الأقوال أنها واردة في التشديد على شأن المعصية وأنها كفر دون كفر مثل الكفر بنعمة الله فلم يقل أحد أبدًا إن المسلم الذى يكفر بنعمة الله يخرج من الملة، وأن لفظ الآية ليس لفظًا يصح إطلاقه على العموم، ومن ثم يكون المعنى، ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا هذه الأحكام وكونها من عند الله وأنها وحي وحق.

وحيث ان القرآن نزل بلسان عربي مبين لأن لتفسيره لا بد للرجوع إلى اللغة فإن الآية -ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلائك هم الكافرون تحوي واو العاطفة فهي في سياق الحديث عن اليهود الذين غيروا ما أتى لهم من حكم وكذلك فالأحكام لليهود غير للمسلمين فهم كانت توبتهم بقتل النفس وتوبتنا بإخلاص النية لله والعزم على الإقلاع عن الذنب، وكذلك ورد فيها اسمين موصولين عامين، “من و ما”، فإن كان عاما يراد به العموم وليس التخصيص فيلزم أن يكفرون أنفسهم قبل الحكام لأن العموم هنا يحتوي من لم يحكم أصلا لم يصل للحكم وأيضا من وصل للحكم لكنه لم يحكم بما أنزل الله.

وهذا التخصيص يحتاج لدليل أن المقصود هم الحكام فقط، أما الاسم الموصول الآخر ما أنزل الله لو بقي على عمومه فإنهم بذلك قد يكفرون الأنبياء أيضا وليس مجرد الحكام أو عوام الناس لأنه ما من بشري قد حكم بكل ما أنزل الله، القرآن والتوراة والإنجيل والزابور وصحف إبراهيم؟ وتخصيص ذلك يخالف الآية التي جاءت في سياق الحديث عن أهل الكتاب من اليهود.

ومن الملاحظ أن هؤلاء التكفيريين فسروا الآية على هواهم وحصروا الشريعة في أمور معينة لتتوافق مع أهوائهم السياسية، متجاهلين أن معظم دولنا العربية تطبق الشريعة في غالبية القوانين خاصة الأحكام الشخصة والمواريث والدستور يتيح نقض القوانين التي تخالف الشريعة.

كما تجاهل هؤلاء أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، فالثابت أن من يكفرهم المتطرفون مسلمون وأنهم يفتئاتون على الدولة والحاكم ورجال الدين بتكفير الآخرين فخرجت عن الإجماع الإسلامي بأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بمجرد ظن أو تأويل أو اجتهاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى