واصفًا الإعلام المُهاجم للعثمانيين بـ”المأجور”.. الصلابي يحاول إعفاء الدولة العثمانية وسلاطينها من مجزرة قبيلة الجوازي

الصلابي يحاول تلميع العثمانيين من أجل التمهيد للدخول للأراضي الليبية

أخبار ليبيا 24 – متابعات

شن عضو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، علي الصلابي، هجومًا حادًا على بعض وسائل الإعلام، التي وصفها بـ”المأجورة”، بسبب زعمه تشويههم للتاريخ الإسلامي العثماني.

الصلابي نفى، في مقال مطول له، نشره موقع “ترك برس”، بعنوان “رد على الشبهات التي يروجها الإعلام الكاذب والأجهزة الاستخباراتية في تشويه التاريخ الإسلامي العثماني”، كافة الاتهامات الموجهة إلى الدولة العثمانية تجاه الجرائم التي ارتكبتها في العديد من الدول العربية.

وذكر الصلابي في مقاله المُطول، أن الحديث عن مجزرة قبيلة الجوازي عام 1916م، ومحاولة لإلصاق تلك الجريمة بالدولة العثمانية رسميًا، بمثابة ادعاء باطل وفيه خلط تاريخي في تناول تلك الحادثة دون الأخذ بالاعتبار الحوادث التاريخية الجادة، وإلى نص المقال: قال تعالى: “يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”.

خرجت علينا الأبواق الإعلامية المأجورة وبعض المنتسبين لأهل العلم ممن تبنوا أساليب الطعن والتشويه ونشر الادعاءات الكاذبة حول تاريخ الدولة الإسلامية العثمانية وسلاطينها العظام، وروجوا لتلك الادعاءات بطريقة لا موضوعية ومليئة بالاتهامات والافتراء، وادعوا بأن مرحلة حكم الدولة العثمانية للبلاد العربية كانت مرحلة مظلمة تسوها المظالم والبطش والتنكيل والطغيان، وعملهم هذا وظف خدمةً للثورات المضادة وأعداء الإنسانية والحرية والسلام والأجهزة الاستخباراتية التي تحارب إرادة الشعوب، وهو الشيء نفسه رأيناه في مسلسل “ممالك النار”، ومن تلك الشبهات والافتراءات المنتشرة:

الادعاء بأن السلطان العثماني سليم الأول قام بقتل آلاف المصريين وأحرق القاهرة عندما دخلها عام 1517م.

العثمانيون ارتكبوا جرائم بشعة حين دخلوا العراق عام 1534م.

 قام القائد العثماني فخري باشا بمهاجمة المدينة المنورة ومكة المكرمة وسرق الحجر الأسود ونقله إلى إستانبول.

ارتكب ولاة الدولة العثمانية مجزرة دامية في قبيلة الجوازي الليبية، وقمعوا انتفاضة أهل تاجوراء التي قامت ضد ارتفاع الضرائب وسوء الأحوال المعيشية.

الصلابي تابع “حرصاً مني على تبيان الحقيقية التاريخية والمحافظة على تاريخ الأمة الإسلامية العظيمة وحضارتها ودور العثمانيين فيها ولحرصي على هداية هؤلاء الناس، ومحاولة إخراجهم مما هم فيه خدمة لمشاريع سياسية تهدم المجتمعات وتسيء لماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، لذلك عدت إلى المصادر التاريخية من منابعها، وأردت التحقق من كل ما ورد من تشويه بعيداً عن الافتراء والكذب واستغباء الآخرين، وذلك لله ثم للتاريخ ولأبناء الأمة، حسب وصفه .

وحول إدعاء بأن مجزرة قبيلة الجوازي الليبية ارتكبت تحت عين الدولة العثمانية فقد زعم الصلابي، إن الحديث عن مجزرة قبيلة الجوازي، ومحاولة لإلصاق تلك الجريمة بالدولة العثمانية رسمياً، ادعاء باطل وفيه خلط تاريخي في تناول تلك الحادثة دون الأخذ بالاعتبار الحوادث التاريخية الجادة.

وفي هذا الصدد يمكن القول، بأن المجزرة قد حدثت بسبب ظروف سياسية مرتبطة بصراع القرمانليين على الحكم والإقطاعات بين يوسف باشا وأبنائه في طرابلس التي تحولت إلى دولة مستقلة، أضف لذلك، بأن الأسرة القرمانلية لم تكن خاضعة للدولة العثمانية في تلك الفترة إلا اسمياً. فالدولة القرمانلية كانت منفصلة عن العثمانيين تماماً في سياساتها الداخلية والخارجية؛ فكيف يتم نسب هذه الحادثة للدولة العثمانية، والحكم القرمانلي يومها عمره قرابة المائة عام، منذ أن خلع أحمد القرمانلي آخر الباشوات العثمانيين (في عهدهم الأول) وذلك عام 1711م؟.
حيث ذكر محمود ناجي في كتابه (تاريخ طرابلس الغرب) عن الحالة في ليبيا تلك الفترة، قائلاً: “إن طرابلس في عهد هذه الأسرة الحاكمة التي تأسست بأحمد بك أخذت شكل بلاد مستقلة أكثر منها إيالة وجعل القرمانليون نفوذ الدولة العثمانية التي تعد متبوعهم كأن لم يكن، وبذلك أصبحوا دون استئذان يحاربون الدول الأوروبية ويعقدون معها المصالحات والمعاهدات، واتخذوا لأنفسهم بين الأهالي وبدون حياء لقب أمير المؤمنين السامي…”.

وذكر نيكولاي بروشين بأن أحمد القرمانلي بعد أنه اكتسب شرعية أمام الليبيين بالحصول على ألقاب بيلرباي وباشا من السلطان العثماني عام 1722م، انتقل إلى خطوة تالية وهي تحقيق الانفصال عن الباب العالي وترسيخ سلطته المطلقة على الولاية وانتهى في واقع الحال إلى تأسيس دولة إقطاعية مستقلة لا تعترف إلا شكلياً بالسلطة العليا للسلطان التركي، وقسم البلاد إلى مناطق عين على كل واحدة منها قائداً من الموالين له. ويعزز ذلك أن أحمد القرمانلي مؤسس هذه الدولة، عندما وصل للحكم أقام مجزرة شبيهة لمجزرة الجوازي بقادة الإنكشارية وكبار جندهم، وجعل من قبيلة المحاميد العربية سلاحه وشوكته. وحافظ المحاميد على ولائهم للأسرة القرمانلية، وكانت من رسائل غومة المحمودي للباب العالي، عندما رفع عصا الطاعة في ثورته على العثمانيين في عهدهم الثاني، هو تسليم الحكم لحفيد القرمانلي، حيث بجَّل حكمهم، وعظَّم عهدهم، وكانت من وصية أحمد باشا القرمانلي لابنه محمد الذي استخلفه على الحكم أن يحفظ وده وعهده للمحاميد الذين ساعدوه في حكم طرابلس. ثم كيف حاربت سفن طرابلس لوحدها الحملات الأميركية إذا كانت تُحكم من الباب العالي؟ ولماذا أرسلت أوروبا أساطيلها البريطانية والفرنسية إلى يوسف القرمانلي وتهديدها له عندما ضاقت ذرعا بمهاجمته لسفنها، بدلاً من أن تراسل وتهدد السلطان في الأستانة؟

وما يؤكد ذلك، أنه في عام 1793م، وبينما كان الصراع دائراً بين علي باشا القرمانلي وأخيه يوسف باشا نزل أسطول علي بن آدم الجزائرلي مدعوماً من السلطان العثماني لاستعادة سلطة الدولة العثمانية في طرابلس، وكان الأسطول يحمل الأعلام التركية ومعه فرمان سلطاني وتسع سفن سلطانية، واستولى على العاصمة طرابلس، وزار الجزائرلي إستانبول وحصل على دعم السلطان العثماني سليم الثالث، وكان السلطان راغباً بتصفية الاستقلالية الكبرى لطرابلس الغرب وإلغاء وراثية الأسرة القرمانلية، ورغم ضعف السلطنة آنذاك جعلها مستعدة لتأييد أي مغامر يخدم السلطنة بحق وصدق. ولكن لكثرة استبداد الجزائرلي دعم الباب العالي عودة القرمانليين لحكم طرابلس بدعم من حمودة باي والي العثمانيين في تونس عام 1795م، وتم تعيين أحمد القرمانلي باشا على طرابلس ونائبه يوسف باشا.

وما يدلنا على استقلالية القرمانليين عن الباب العالي والتبعية الاسمية لا أكثر، أنه في عهد يوسف باشا أراد السلطان العثماني محمود الثاني إعادة تنظيم الجيش العثماني وإيجاد قوات رديفة بجانب الإنكشارية، ولكن إنكشارية طرابلس رفضت الانصياع للنظام الجديد ووقفت بكل قواتها ضد الباب العالي. وعلى الرغم من أوامر محمود الثاني الصارمة إلى يوسف باشا بتطبيق النظام الجديد في الجيش بهدف التخلص من سلطة الإنكشارية، لكن بقيت دون تطبيق، واستعان يوسف باشا بفرق نظامية خاصة اسمها “الشاويشية” لحفظ دولته.

يمكن القول إن القبائل الليبية في تلك الفترة كانت منقسمة بين موالٍ ليوسف باشا وأخرى حصلت على دعم أخيه أحمد القرمانلي وابنه محمد فيما بعد، حيث شنَّت قبيلة الجوازي حروباً على قبائل العواقير والمغاربة في بنغازي وحاصرتهم لمدة خمسة أشهر فيما عُرف هذا الحصار بـ “عقل خريبيش” عام 1811م.

وتفيد بعض الروايات التاريخية أن الذي شجَّع قبيلة الجوازي للتسلط على بقية القبائل حتى قبائل خليج سرت وغزوهم ونهبهم هو تحالفهم مع أحمد القرمانلي، أخ يوسف القرمانلي، الذي عينه يوسف القرمانلي والياً على درنة عام 1809م، رغم ما بدر منه قبل ذلك، عبر وساطات بريطانية. فقد دعم أحمد قبائل الجوازي الذين كانت تربطه بهم علاقات نسب. وهذا المبرر المنطقي الذي دفعه للهرب إلى مصر بعد أن وصل جيش ابن أخيه محمد باي، كما هربت قبائل الجوازي إلى غرب مصر أيضا.

لاحقاً، بعد عودة محمد باي القرمانلي مَزهواً بإنهاء خروج القبيلة عن سلطة القرمانليين في المنطقة الشرقية، اغترّ بنفسه للدرجة التي تمادى فيها وحاول طعن والده في إحدى لحظات غضبه، مما دفع والده إلى إبعاده للمنطقة الشرقية. ويبدو أن والده كان يحبه جداً حتى يجعله حاكماً على المنطقة الشرقية، بدل معاقبته على تعرضه له بخنجر مما أدى لقتل خادمة للباشا رمت نفسها أمام الخنجر دفاعاً عنه.

وبين عامي 1815م – 1816م ، وصل محمد الباي لبرقة والياً لأبيه ولكنه أقام تمرداً بين على سلطة والده من خلال قبائل الجوازي نفسها. وحينها قرر يوسف القرمانلي وضع حد نهائي لابنه البكر وأرسل له جيشاً بقيادة أصغر أبنائه يومها أحمد القرمانلي، الذي استطاع أن يهزم أخاه الذي فرّ هارباً لمصر، بينما قامت قبيلة الجوازي بمحاولة استرضاء يوسف القرمانلي بإرسال 22 فرداً من أبناء القبيلة ليبقوا رهائن في طرابلس، لتأكيد نيتها هذه المرة بعدم الخروج على حكمه مرة أخرى، لكن القرمانلي ما كان ليثق بهم مرة أخرى، لذلك عمل ابنه أحمد على تقريب مشائخهم لجواره، ليطمئنوا له ويَبقوا قُرب عينيه، خصوصاً وأن الأنباء التي كانت قادمة من مصر تقول عن عزم أخيه الأكبر للعودة إلى برقة بدعم من والي مصر، وربما سوف يسعى في حربه من خلال هذه القبيلة الخارجة على سلطان الدولة القرمانلية، والتي فقدت امتيازاتها السابقة.

من هذا السياق التاريخي، قرَّر أحمد القرمانلي العزم على قطع شوكة قبيلة الجوازي نهائيا، فبعد أن قرَّبهم لمجلسه وأحاطهم برعايته، دعا مشائخ وأفراد القبيلة من خلال «جاويش» من أبناء قبيلة الجوازي حتى يطمئنوا لنوايا الدعوةـ والذي كان ملتحقاً بخدمة الباي في طرابلس، حاملاً رسالة لهم تُفيد بتشريفهم إلى بنغازي لحضور حفل يقيمه الباي أحمد لتوزيع البرانيس الحمر على مشائخهم عرفانا من يوسف القرمانلي لولائهم له والدخول في طاعته.

وفي اليوم الخامس من سبتمبر، جاء مشائخ قبيلة الجوازي لمدينة بنغازي، إذ حضر 45 شيخاً لقصر الباي، حيث استقبلهم بترحاب كبير وشرب معهم القهوة، قبل أن تفتح الأبواب من الحجرات المجاورة ويخرج منها مماليك الباي وقتلوا البعض منهم، واعتقلوا البقية ليكملوا عليهم الواحد تلو الآخر. ثم هاجم جنود الباي مضارب ونجوع القبيلة التي غادرها الكثير من أبنائها نتيجة وصول أخبار مقتل مشائخهم، وأمَّا الأبناء الرهائن فقد تم قتلهم كلهم.

إذن، فحادثة الجوازي كانت نتيجة صراع على السلطة بين أفراد الأسرة القرمانلية، وإن أية محاولة لإلصاق هذه الحوادث بالدولة العثمانية لا تغدو أن تكون محاولات بائسة، وادعاءات مغرضة لا تستند إلى منطق تاريخي أو حقائق علمية ذكرتها مصادر التاريخ الليبي أو الإسلامي العثماني.

ولا يمكن أن نسيان أو غض الطرف عن مجزرة قبيلة الجوازي التي ارتكبها الحاكم القرمانلي، وهو الذي يتحمل المسؤولية التاريخية، وجزاءه عند الله، لأنها جريمة لا يمكن قبولها أو تبريرها، وتخالف الفطرة الإنسانية السليمة. ولكن طالما أن الوالي العثماني محمد علي باشا هو من استقبل الجوازي في مصر وساندهم في انتفاضتهم ضد الحاكم القرمانلي، وبالتالي: لم ذلك التحريف التاريخي للحقائق؟ ولم لا نقول بأن الباب العالي زمن السلطان محمود الثاني أعطى أوامره لمحمد علي باشا والي مصر بمساعدة الجوازي ضد الحاكم القرمانلي واستقبالهم في مصر؟

ونختم ما ذهبنا إليه بما جاء في كتاب محمود ناجي (تاريخ طرابلس الغرب): “هاي هي ذي الدولة العلية العثمانية في هذا الوقت تعقد العزم على إنهاء صحائف القرمانليين الملوثة بالدماء فتتكرم بحصر نواياها الجميلة في أن يشمل الإيالة عهد من السعادة والاطمئنان وتتفضل بتحقيق ذلك بالقوة 1251” وأضاف: “في سنة 1251هـ المباركة أرسلت الدولة العلية أسطولاً متألفاً من اثنتين وعشرين سفينة حربية تحمل ستة آلاف من العساكر النظاميين بقيادة الفريق مصطفى نجيب باشا فاحتلت إيالة طرابلس وامتلكتها من غير حرب…”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى