رجل من درنة ضحى بأبنائه الثلاثة فداءً للوطن وعزائه في ذلك دحر الإرهاب

عبدالله: بعد شرعنتها من قبل المؤتمر الوطني العام كشرت التنظيمات الإرهابية عن أنيابها وبدأت في تنفيذ موجة التصفيات والقتل بشكل علني

أخبار ليبيا24-خاص

لم يكن في مخيلة عبد الله عبد العزيز عمر الكريمي أنه سيفقد يومًا أبنائه الثلاثة الذين أنجبهم قبل عشرات السنين ليكونوا سندًا وعونًا له بقية عمره.

في واحدة من القصص المليئة بالتضحيات والفداء التي قدمها أهالي درنة وليبيا عمومًا في سبيل الوطن وبعد أن تحررت مدينته درنة من التنظيمات الإرهابية التي جثمت عليها لسنوات، يروي لنا عبدالله مستهلًا قصته المؤثرة قائلًا: “فقدت أبنائي بين قتيل ومعتقل وغادرت درنة قسرًا بسبب سيطرة التنظيمات الإرهابية عليها”.

ويضيف، “منذ بداية ثورة السابع عشر من فبراير عام 2011 وبدأت التنظيمات الإرهابية في الظهور منتهجة نهج القتل والخطف والتهجير لكل من يطالب بدولة القانون أو يصارحها بالعداء”.

ويتابع: “كانت أكبر نكسة لسكان درنة هي تخلي “حكومة على زيدان” عن سكان درنة عندما خرجوا في مظاهرات عارمة تطالب بمؤسسات الدولة (جيش والشرطة) وشرعنت المليشيات الإرهابية، وذلك بعد خروج رئيس الأركان في ذلك الوقت اللواء يوسف المنقوش في مؤتمر صحفي وصرح أن “كتيبة بوسليم” تتبع لرئاسة الأركان”.

يذكر أن المنقوش، كان قد ظهر مع رئيس المؤتمر الوطني العام محمد المقريف ونائب رئيس الوزراء مصطفى أبوشاقور وعضوي المؤتمر محمد عماري زايد وإبراهيم صهد، يرافقهم آنذاك عدد من قادة المليشيات المتطرفة، في مؤتمر صحفي من بنغازي الهدف منه دعم المليشيات وتشريعها، وذلك عقب تنظيم مظاهرة “جمعة إنقاذ بنغازي” يوم 21 مارس 2012 المنددة بالمليشيات المسلحة والتي تطورت فيما بعد إلى مواجهات بين السكان المحليين ومسلحي الدروع وإرهابيي أنصار الشريعة وغيرها من التنظيمات.

هُنا، يضيف عبدالله، كشرت التنظيمات الإرهابية عن أنيابها وبدأت في تنفيذ موجة التصفيات والقتل بشكل علني.

ويتابع: “ثم دخل تنظيم داعش درنة وانتهكت في درنة أبشع الجرائم. لي ابن في القوات الخاصة توجه إلى بنغازي والتحق بزملائه هناك. كان عندما يأخذ إجازة من الصاعقة هو وبعض رفاقه الذين لا يتجاوز عددهم الخمسة يخرج باقي ابنائي وأصدقائهم ويقوموا بإدخالهم إلى درنة بشكل متخف، لأجل البقاء لأيام ثم يقوموا بإخراجهم خارج درنة”.

ولأن التنظيمات الإرهابية تُكن عداءً شديدًا للجيش والأجهزة الأمنية؛ فقد نفذ أساليب وحشية ضد كل منتسبيها، وفي هذا الجانب، يقول عبدالله: “بعد أن تكررت زيارات ابني إلى درنة انتبهت التنظيمات الإرهابية إلى ذلك واعتبرته تحدٍ لها”.

المشهد لم يقف عند هذا الحد، يتابع عبدالله: “كانت البداية باغتيال ابني “منصف” بجانب شركة الجبل رميًا بالرصاص داخل سيارته عند الساعة الحادية عشر صباحًا يوم 1 يناير 2014″.

ويضيف، “استلمنا جثمان “منصف” من مستشفى الهريش وقمنا بدفنه”.

ويتابع: “لأن هذا الحدث كان مأساويًا؛ فقد كانت ردت فعل ابني “عيسى” عنيفة، حيث كان دائمًا ما يردد، قائلًا: “أنا أعرف من قتل أخي وسوف انتقم لمقتله”.

ولم تمر 20 يومًا على اغتيال أخيه “منصف” اشتبك “عيسى” في عراك بالأيدي مع شقيق أحد قادة تنظيم “داعش” المحليين في درنة “مراد السبع” أمام مصرف الجمهورية.

يقول عبدالله: “في تلك الأثناء حضر “مراد السبع” وأطلق الرصاص على ابني؛ فارداه قتيلًا، وفورًا استنفرت التنظيمات الإرهابية داخل درنة وأرسلت لنا عناصرها في محاولة منها لاحتواء الموقف”.

وعن هذا الموقف، يقول عبدالله: “قالوا نحن نريد تطبيق شرع الله وما إلى ذلك؛ فطلبت منهم أن ينفذوا شرع الله بالقصاص فيمن قتل ابني. هنا رددوا جملتهم الشهيرة قائلين: “ابنائك “طواغيت” إما أن ترضوا وتسكتوا وإما أن تخرجوا من درنة”.

وبعد هذا التهديد الصريح، يقول عبدالله: “بعد انقضاء أيام العزاء أصر أقاربي بأن أخرج وأسرتي بالكامل خارج درنة، حفاظًا على باقي ابنائي وعلى حياتنا”.

ويتابع: ” وبالفعل غادرت درنة إلى منطقة التميمي لمدة عام إلى أن بدأت المواجهات بين “داعش” و “بوسليم” التي انتصرت بمؤازرة الأهالي لها”.

وشهدت درنة سنة 2015 حربًا عقائدية، بين تنظيم “داعش” ومليشيا “شهداء بوسليم” التي تحولت فيما بعد لـ “مجلس شورى مجاهدي درنة” والمعروف انتمائها للقاعدة، حيث أسفرت الحرب في نهاية المطاف عن إنهاء وجود “داعش” داخل المدينة، كما اسفرت الاشتباكات بين التنظيمين المتطرفين إلى مقتل قائد “بوسليم” سالم دربي.

وبعد تفردها بالسيطرة على درنة، يقول عبدالله: “قامت “بوسليم” بعد عودتنا بفترة باعتقال ابني “عبدالعزيز” عسكري تابع للدفاع الجوي بتهمة إعطاء إحداثيات للجيش الوطني”.

ويضيف، ” بعد اعتقاله تعرض “عبدالعزيز” لأشد ويلات التعذيب والتنكيل وكاد أن يقتل لولا تدخل مشائخ من درنة، حيث أفرج عنه وغادر درنة فورًا ولم يعد إليها إلا مع دخول الجيش الوطني”.

مأساة عبدالله لم تقف عند حد مقتل ابنيه الاثنين واعتقال آخر، فقد تلقى الرجل فاجعة أخرى تمثلت في وفاة ابنه الثالث بـ “الخطأ” وذلك أثناء المواجهات في بنغازي التي أسفرت حينها عن سقوط معسكر الصاعقة في بنغازي في قبضة الإرهابيين يوم 29 يوليو 2014.

حول هذا المُصاب، يقول عبدالله: “أثناء المواجهات قتل ابني على يد زميله بطريق الخطأ، ولم يتمكن من إسعافه بسبب احتدام القتال ومحاصرة التنظيمات الإرهابية على محيط المعسكر”.

ويتابع: “ابنائي كانوا متزوجين ولديهم أبناء، وما يهمني الآن أن تكون درنة مدينة للعدل والقانون؛ فالتضحيات التي دفعت لأجل ذلك كانت كبيرة”.

يصمت عبدالله للحظة، ثم يعود قائلًا: “ما استغربه هو ترديد البعض بأن درنة كانت تميل للتنظيمات الإرهابية؛ فكيف لهم أن يقولوا ذلك. هم لم يعيشوا معها ولم يذوقوا مرارة وقوعها تحت التنظيمات الإرهابية المتحصنة خلف ترسانة فتاكة من الأسلحة والدعم وتوافد العناصر الإرهابية الأجنبية”.

ويتابع: “من لم يكن معنا وقت الذبح والقتل والتهجير لا يحق له ان يتهمنا؛ فقط لأننا من سكان درنة. درنة فيها تضحيات جسام وبطولات سردها سيستغرق سنوات”.

عبدالله لم يجد عزاءً في فقده، إلا تحرير مدينته من قبضة الإرهاب، حيث يقول: “عاد الوطن بتضحيات الجيش ونريد دولة القانون والعدل والمؤسسات وأتمني من الدولة أن تهتم بالتنمية في درنة وأن تهتم بالشباب وتفتح لهم مجالات للعمل والابداع والتطوير؛ فما عانيناه ليس بالشيء اليسير”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى