الحاجة “سعدة حمد” تروي لأخبار “ليبيا 24” تفاصيل اللحظات الأخيرة لنجلها عقيد طيار إدريس العبيدي

630

أخبار ليبيا 24 – خاصّ

كثُر الأبطال الذين أذاقوا الجماعات الإرهابية في ليبيا طعم الهزيمة، فمن بين هؤلاء الرجال “إدريس العبيدي” فحركاته أربكت الأعداء، وكبدتهم خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وكانوا يحسبون له ألف حساب.

تلقى هذا البطل، في يوم ما تهديدا من أحد العناصر الإرهابية على الهاتف، وقال له حرفيا “كونك طاغية فأنت طاغي، وكونك مقاتل شجاع فأنت كذلك” –نلاحظ هنا  لفظ الطاغي يستخدمه تنظيم ما يسمى “داعش” لوصف كل من يقاتلهم أو يحارب أفكارهم – وقصدوا هنا المرحوم عقيد “طيار إدريس العبيدي”.

توجهت وكالة أخبار ليبيا 24 إلى منطقة الأبرق شرق مدينة البيضاء؛ لتلتقي أم البطل إدريس العبيدي الحاجة “سعدة حمد علي” وأتى هذا اللقاء تزامنًا مع الذكرى الثالثة لمقتله، وكنا متخوّفين من أننا سنستحضر معها ذكريات أليمة، ونفتح معها تفاصيل ترهقها خصوصًا، وهي التي أثقلت كاهلها السنين،  لكن في الحقيقة استقبلتنا بكل ودّ، وقالت عندي أربعة أبناء غير المرحوم إدريس . ولم أحزن يومًا على “إدريس” الذي ضحى من أجل ليبيا، لكي أنعم أن وأبنائي وبناتي، وكل أهل ليبيا بالأمن والأمان.

من هو البطل إدريس

وتمضي الحاجة “سعدة” في وصف ابنها البطل، أنه كان هادئ الطبع خاصة مع أخوته، وعنيد في نفس الوقت، ولم يرضخ لأي شخص مهما كان محتاج، وهو متزوج وله ثلاثة أولاد وثلاث بنات

تابعت الحاجة “سعدة” حديثها وقالت:- أنني سعيدة فقد منحتني الدولة فرصة الحج العام الماضي على نفقتها، ومعي أحد أبناء “إدريس”، والحمد لله فقد نويت هذه الحجة لله ولابني، عسي الله أن يتقبل مني ومنه .

وتسترسل قائلة “شعور الأم لا يخفى على أحد، وعندما كان إدريس حي يرزق، فقد كان يبلغني بكل طلعة جوية يقوم بها ويتصل بي، وكان قلبي يطير معه، راجية الله عز وجل، أن يعود إلى رفاقه بخير وسلامة.

وواصلت كلامها، أنه قبل إعلان وفاته بيوم كنت على اتصال به وكانت هذه آخر مكالمة بيني وبينه، أذكر أنها كانت في آخر يوم من شهر رمضان المبارك للعام قبل الماضي.

وتتابع الأم سردها، في صباح اليوم التالي ذهبت للمسجد وصليت صلاة العيد، وفجأة جاء اتصال لأحد أبنائي، أحسست أن هناك مصاب جلل قد حدث، أسرع ابني في الخروج بعيدا عن البيت أدركت حينها أن الخطب يخص إدريس أو ابنه “حمادي” الذي يرافقه دائمًا، ارتبت لأنهم يتعرضون لتهديدات مستمرة من الإرهابيين، مرّ الوقت بطيئا، فطلبت من الذين بجانبي الاتصال بــ “حمادي” نجل “إدريس” وسألته ماذا بك قال ” يا حني أنا في المستشفى ” وكانت نبرات صوته لا تطمئن وكأنه يريد أن يبكي وأغلق الخط، أيقنت أن الخطب خاص بــ “إدريس”.

وبعدها بوقت قصير دخل ابني “سعيد” للمنزل، واحتضنني وقال لي “إدريس” انتقل إلى رحمة الله، فما كان مني إلا أن قلت ” إنا لله وإنا إليه راجعون، لا إله إلا الله محمد رسول الله “، ونزلت عليّ السكينة لم أبكي ولم أصرخ، فهذه الكلمات منحتني الصبر رغم أن الفراق صعب وموجع  .

وذكرت الحاجة “سعدة” أن “إدريس” أوصى أن يدفن في مقبرة مدينة الأبرق، ووصل  جثمانه ثاني يوم من وفاته للمدينة، وذهبت لأراه قبلته وأعطيته السماح ومنحته الرضى والربح، إلى يوم الدين وتظاهرت أنني فرحة بوفاته، من أجل الوطن وبدأت أطلق الزغاريد، وكانت لحظات صعبة – هنا تغيرت نبرة صوتها وكادت أن تبكي، لكنها تماسكت واستمرت .

ونوهت إلى أنها تذكر آخر مرة، زارها فيها نجلها الفقيد قبل شهر رمضان بأيام ووصفت الموقف وقالت:- يصل لباب المنزل، ويعود إلى ويعطيني مال أقول له عندي فيقول:- “لا، دعي المال معك تستفيدي منه”، وكانت هذه آخر مرة أراه فيها، لكنه لم يفارقني في فكان يتصل بي يوميا.

ودعت الحاجة “سعدة” الله أن يلهم كافة أمهات وزوجات الشهداء الذي لقوا حتفهم على أيدي الإرهابيين الصبر والسلوان، وتذكر أنهم يقاتلون من أجل الحق ضد الباطل.

وتقول الحاجة “لم تحدث لحظة ضعف بيني وبين نفسي ، أو أنني ندمت على التحاقه بواجبه الوطني، ويكفيني فخرًا أن هذه التضحية كانت من أجل الوطن، وهذا التاريخ الذي صنعه لأخوته وأبنائه . وتستذكر أم الفقيد، أنه عندما بدأت عمليات الجيش في درنة قلقنا عليه فقلت:- “له يا ابني خف على نفسك”، وقال لي أعرف أنني ملاقي ربي في يوم ولن أموت إلا في يوم كتبه الله لي، قلبي ميت وبطني “فاضية” بمعني عزة النفس، فهو لم يشتري أو يرتشي وأقسم بالله أن يترك لنا “صيت” يحكى لأبناء أبنائنا .

وقالت إنه من عادته ـ رحمه الله ـ أن يقضي آخر خمسة أيام في شهر رمضان معي، إلا ذلك الشهر؛ لأن المحاور والمواجهات على أشدها في بنغازي فقال لي “يا أمي سأحضر ثاني يوم العيد وبعدها سأسافر إلى جمهورية مصر لزوجتي وأبنائي فقد اشتقت لبناتي”.

وكانت طائرة البطل “إدريس العبيدي” قد أصيبت في منطقة “الترية” صباح يوم عيد الفطر، وسقطت طائرته في البحر وأخرجه رفاقه من البحر، ولا يوجد به إلا خدش بسيط في جبهته يوم السادس من يوليو، وكان قد أوصى ابنه “حمادي” أن يدفن في الأبرق، وهو يعرف حب أهل بنغازي له، وأنهم لن يتركوا جثمانه لكن أحب أن يدفن جنب بيته .

المزيد من الأخبار