حقائق تسلط الضوء على ظلام داعش وتتوغل بتعمق داخل زوايا أوكاره

23

بقلم/إبراهيم علي

مع دخول عملية دحر تنظيم «داعش» لحظة الحسم بعد طرده شبه الناجز من الأراضي التي كان يسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، وتواتر طرح الأسئلة الآن في العديد من العواصم الإقليمية والغربية عن تحديات «ما بعد داعش» ومآلات العناصر التي كانت منخرطة فيه، يأتي كتاب المؤلفين توماس داندوا وفرانسوا- كزافييه تريغان الصادر خلال الأسبوع الماضي تحت عنوان: «داعش.. كلام الهاربين»، ليفتح ملف تجارب ومكابدات العناصر الهاربة من جحيم التنظيم الإرهابي خلال فترة تغوله وسيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا.

ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن لمؤلفيه خبرة واسعة ومؤلفات عديدة سابقة حول موضوعات غير بعيدة من مجال اهتمام هذا العمل الاستقصائي الاستثنائي.

وقد جاء هذا العمل ثمرة لتعاون وثيق، وتنسيق دقيق، بين فرانسوا وكزافييه تريغان، وهو طالب دكتوراه وباحث متخصص في الشؤون السورية وكبير مراسلين سابق في اليمن خلال سنوات الألفين، وتوماس داندوا، وهو أيضاً كبير معلقين ومخرج مخضرم للبرامج الوثائقية التلفزيونية منذ أكثر من عشرين عاماً.

وعن طريق خليط من دافعية الحاسة الصحفية وروح المغامرة، تتبع المؤلفان خفايا وطوايا وتعرجات هذا الطريق الصعب للغاية، من خلال وسطاء، تمكنوا عن طريقهم من التواصل مع خلايا وشبكات على صلة بأعضاء سابقين في التنظيم الإرهابي ممن تمكنوا من الهروب منه والنفاذ بأرواحهم في النهاية.

ومن خلال أسفار عديدة في تركيا وفي أنحاء أوروبا بين شتاء عام 2015 وصيف عام 2017 تمكن الكاتبان من تجميع عشرات الساعات من الأحاديث والمقابلات المسجلة مع رجال ويافعين وحتى أطفال، انخرطوا من قبل، بصور مختلفة، في صفوف التنظيم، أو عاشوا تحت سيطرته، وكُتب لهم عمر ثانٍ بالنجاة منه، والهروب من قبضته، ولو بشق الأنفس، ولا شك في أن إجراء مقابلات مع هذا النوع من المصادر ذات التجربة الشخصية مع التنظيم الإرهابي يعد من الناحية الإعلامية البحتة أمراً نادراً، بل يشكل انفرادة وسبقاً مهنياً هو عادة مما يسعى إليه الصحفيون.

وبعد تفريغ وعرض هذه المقابلات التي استند إليها المؤلفان في إنتاج عدة برامج وثائقية تلفزيونية مثيرة لقناة Arte الفرنسية- الألمانية، وجدا أيضاً إلى جانب ذلك فائضاً من آلاف المواد الوثائقية، فقررا أن كل هذا المخزون من المعلومات المهمة يستحق الجمع في صورة كتاب استطلاعي وتوثيقي في الوقت نفسه.
وقد وصف المؤلفان حجم المعاناة والمكابدات التي استلزمها منهما تجميع المواد التوثيقية قائلين: «لقد اقتضى الأمر منا عامين متواصلين، والكثير من العمل المضني، وثمانية أسفار لم تكن كلها مثمرة بالضرورة، لكي نقترب عن كثب من الهاربين من داعش، ونفك عقدة ألسنتهم، ونجعلهم يتكلمون، وشيئاً فشيئاً لننال ثقتهم، وهو ما لم يتحقق لنا كاملاً».

ويستعرض المؤلفان في هذا الكتاب الواقع في 192 صفحة تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية لمسلحي التنظيم الإرهابي، وخاصة خلال فترة اتخاذه من مدينة الرقة السورية عاصمة لكيانه المزعوم، هذا فضلاً عن مدن أخرى مهمة في شرق وشمال سوريا، وغرب وشمال العراق منها مدينة الموصل الكبيرة.
كما يستعرضان أيضاً طرق ومسالك الهروب من التنظيم، حيث كانت تنشط شبكات سرية للتهريب يتمركز بعضها في مدينة تركية لا تبعد عن الحدود السورية

سوى 60 كيلومتراً، يجازف المهربون فيها بمساعدة الهاربين على الخروج من أراضي سيطرة «داعش»، وهي مغامرة كانت تكلف الهاربين والمهرِّبين معاً أرواحهم في حال افتضاح خططهم، أو الإمساك بهم خلال عمليات التسلل الصعبة والمحفوفة بالمخاطر عبر الحدود.

ويكفي للدلالة على حجم الرعب الذي ينتاب الهاربين أن شهادات معظمهم في كتاب المؤلفين نشرت تحت أسماء مستعارة، حيث طلبوا عدم ذكر أسمائهم الحقيقية، خوفاً من ملاحقة عناصر التنظيم الإرهابي لهم، حتى بعدما خرجوا من مناطق سيطرته.

ويكشف هؤلاء الهاربون بداية وقوعهم في فخاخ التنظيم من خلال عمليات تغرير وتضليل وغسيل للدماغ مورست عليهم، فراحوا يذهبون إلى معاقله منخدعين، ليجدوا أمامهم حياة من المعاناة والعنف والرعب، حولت يومياتهم إلى قطعة فظيعة من العذاب.

كما يكشفون أيضاً الأسباب التي أقنعتهم بوجوب المجازفة بأية طريقة للنفاذ بأرواحهم من جنون «داعش»، وعنف جلاديه وقتلته وذبّاحيه، الذين كانت دمويتهم تمتد إلى مسلحي التنظيم بأنفسهم بقدر ما تمتد أيضاً إلى المدنيين العزل من سكان مناطق وجوده ممن لا علاقة لهم به، من قريب أو بعيد.

فقد كانت أجهزة التنظيم نوعاً من الآلة المجنونة التي لا تعرف سوى القتل والسحل والحرق وممارسة الاسترقاق، ولا شيء آخر كما يكشف الهاربون أيضاً إلى أي مدى تتفشى في التنظيم الممارسات الإجرامية والفساد والخداع والانحراف، وكل شرور العالم ورذائله، فضلاً طبعاً عما هو معروف عنه أيضاً من العنف الأعمى وشناعة الغلو وفظاعة الإرهاب.

مقالات ذات صلة