الحبيب بورقيبة شارع يختزل حياة التونسيين اليومية

20

ذا التقيت بأجنبي في بلاده، فسيقول لك إنه يعرف تونس العاصمة، وسيمضي في الحديث عن شارع الحبيب بورقيبة فقط لأنه المكان الذي ظل راسخا في ذاكرته بمعالمه التي يمتاز بها، وسيحدثك عن الكاتدرائية وتمثال ابن خلدون والساعة والمسرح البلدي والمشموم ورائحة الأكل التونسي، لكنه من الصعب أن يتذكر أنهجا أو أماكن أخرى عدا المدينة العتيقة.

شارع الحبيب بورقيبة قلب العاصمة التونسية ونبضها، فلا أحد يدخل العاصمة من جهاتها الأربع دون أن يجد نفسه في هذا الشارع الشاهد على الورد والثورة، ويجعله نقطة انطلاق في رحلته بين الأنهج الفرعية والمدينة العتيقة.

العصافير الساكنة في أعشاشها فوق الأشجار الممتدة على طول جانبي الشارع، تجعل من الصعب الابتعاد عن هذا المكان دون الجلوس في أحد المقاهي لاحتساء فنجان من القهوة أو الشاي بالنعناع مصحوبا بأنواع مختلفة من المكسرات كاللوز والبندق، ودون الدخول إلى مطعم لاختيار وجبة فطور الصباح أو غذاء أو عشاء بمذاق محلي وعالمي.

وإذا عدنا إلى التسمية، فالشارع كان يُسمى بـ”البحرية” خلال فترة الاستعمار الفرنسي (1881- 1956)، ثم تحول اسمه عام 1900 إلى “جول فيري”، ومن ثم إلى “الحبيب بورقيبة” الرئيس الذي قاد بلاده نحو الاستقلال، وأصبح عام 1957 رئيسا للبلاد لمدة ثلاثين عاما، إلى أن تمت الإطاحة به من قبل وزيره الأول آنذاك، زين العابدين بن علي، في 1987، قبل أن يتوفى عام 2000.

يمتد الشارع على مسافة نحو 1500 متر، من قوس “باب بحر” غربا، إلى محطة تونس البحرية للقطارات المتجهة إلى الضواحي الشمالية للعاصمة شرقا، وتلتقي معه العديد من الشوارع الرئيسية كروما، والجزائر، وباريس، ومرسيليا، والقاهرة، واليونان، وقرطاج، ومحمد الخامس، وجمال عبد الناصر، وابن خلدون.

ويمتاز الشارع بالعديد من المعالم البارزة، فهناك تمثال المؤرخ وعالم الاجتماع، عبدالرحمن بن خلدون التونسي، الذي أنجز منتصف السبعينات، في ساحة “الاستقلال”، إلى جانب المسرح البلدي الذي افتتح سنة 1902، وكان يسمى بـ”كازينو تونس”.

تمثال المفكر ابن خلدون وسط شارع الحبيب بورقيبة

 

 

وأُعيد ترميم ذلك المسرح عدة مرات كان آخرها عام 2001، في إطار الاحتفال بمئويته، ودائما يكون المكان على موعد مع عروض مسرحية وفنية تجذب محبي هذا اللون من السائحين وأبناء البلد.

بجانب تمثال ابن خلدون توجد “كاتدرائية تونس” التي تُعتبر من أقدم معالم شارع بورقيبة، أنشأها الكاردينال الفرنسي لافيغيري، في 7 نوفمبر سنة 1881.

مقابل الكاتدرائية، المُطلة على ساحة “الاستقلال”، يوجد مقر السفارة الفرنسية، التي تم البدء في بنائها عام 1859 بمبادرة القنصل ليون روش، وانتهت أعمال البناء بعد عامين، لتصبح فيما بعد مقرا للمقيم العام الفرنسي الحاكم الفعلي للبلاد التونسية.

وينتهي الشارع غربا إلى محطة القطارات وباعة الورود حيث تنشط حركتهم في فصل الصيف الذي يعد في تونس موسم الأعراس، فيعرضون أنواعا من الزهور بألوان زاهية وروائح عطرة.

وفي شارع الحبيب بورقيبة يقيم التونسيون أنشطتهم الثقافية، إذ يشهد الشارع مهرجانات الموسيقى والمسرح والسينما، وهناك يحتفلون بأعيادهم الوطنية.

أيام قرطاج السينمائية نوفمبر 2017 بشارع الحبيب بورقيبة

 

كما يعد الشارع مسرحا لغضب التونسيين من حكوماتهم المتعاقبة فيقيمون المسيرات ويرفعون شعارات تعبر عن مطالبهم السياسية والاجتماعية.
وفي الأمس القريب، استيقظ العالم يوم 14 يناير 2011، على حناجر التونسيين تصدح “ارحل” وسط شارع الحبيب بروقيبة، مطالبة بإسقاط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، الذي سرعان ما رحل.

المنصف بوشوشة (68 عاما)، الذي يعمل في ورشة للخياطة، بالقرب من الشارع، يقول إنه يعرف الكثير عن الملامح التي كانت تميز شارع الحبيب بورقيبة قبل الاستقلال، منها محطة تونس البحرية التي تنطلق منها القطارات نحو المناطق السياحية، كالمرسى، وسيدي بوسعيد، وحلق الوادي، وقرطاج وغيرها من الضواحي.

قبل الاستقلال لم تكن في الشارع، مراكز تجارية كبيرة، باستثناء مركز “الكوليزي” الذي كان يضم بعض المقاهي الفاخرة، وزواره فقط من الطبقة الغنية، حسب بوشوشة الذي ذكر أن ست عائلات كبرى كانت تقطن الشارع كعائلة عبدالجليل، والمسعي، وبوشوشة، والقانونجي.

ويرى هذا الرجل أن شارع الحبيب بورقيبة لعب دورا كبيرا في إسقاط نظام بن علي عام 2011، ويقول “أتذكر يوم 14 جانفي من ذلك العام، كيف غصّ هذا الشارع بالمتظاهرين، وأطلقوا ذلك الشعار الشهير ‘ارحل’. هذا الشارع كان له دور مميز في إنجاح الثورة، وهو روح البلاد وقلبها، كما مصر أم الدنيا، وسوريا قلب الأمة العربية”.

ويقول لسعد الورتاني، موظف بوزارة التربية، إن هذا الشارع “أصبح رمزا للحرية بالنسبة إلى كل التونسيين”، مضيفا أنه “يوحد التونسيين بمختلف شرائحهم من فقراء وأغنياء”.

ويستطرد “شارع الحبيب بورقيبة هو شارع تونس بامتياز، يأتيه الناس من مختلف المناطق من الأحياء الشعبية والراقية، إما للتسوق وإما للسياحة وإما للمشاركة في التظاهرات السياسية والثقافية التي تقام بشكل دائم هنا”.
وعلى امتداد السنة، تُقام في الشارع تظاهرات ثقافية، ومهرجانات موسيقية، كما تتخذ الأحزاب السياسية، والمنظمات والجمعيات من المكان، ساحة للترويج لأنشطتها وفعالياتها.

ويقول حمادي دبيش (52 سنة)، موظف في إحدى الشركات الخاصة، إنه يمر منذ سنوات بشكل دائم من المكان الذي عرف تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.

ويشير دبيش إلى أن الشارع “لم يكن على هذه الشاكلة، فالبنايات، والهندسة المعمارية تغيرت كثيرا، وأصبحت ملامح الشارع أكثر جمالا بعد غرس الأشجار، وترميم بعض الطرقات القريبة منه”.

 


 


 

 

 

[google_map src=”https://www.google.tn/maps/place/Ave+Habib+Bourguiba,+Tunis/@36.800399,10.1844308,17z/data=!3m1!4b1!4m5!3m4!1s0x12fd346987ae54b1:0x9aec62e94b314b47!8m2!3d36.8003498!4d10.1865223?hl=en”]

مقالات ذات صلة