الإرهاب وتدمير الآثار

13

بقلم/ تيم محمد

أظهرت الأحداث أنه أينما حل الإرهاب بمختلف مسمياته في أي مكان أو بلد دولة أو مدينة أو قرية إلا وحل الدمار في كافة مرافقه وشوارعه ومعالمه، ناهيك عن قتل وتشريد وسلب أهل ذاك المكان وساكنيه، وعلى هذا المنوال دأبت التنظيمات الإرهابية في تدمير الآثار والتماثيل الأثرية التي ظلت صامدة واقفة آلاف السنين ومر على وجودها كل هذه المدة حضارات مختلفة ودول وقادة بينهم قادة إسلاميون في عهد الفتوحات الإسلامية لم يأمروا بهدمها وتخريبها بل ظلت باقية حتى عهدنا الحاضر، فرأينا عبث وتخريب وهدم هذه الآثار القيمة المهمة التي تبين وتوضح الحضارات القديمة التي عاشت واستقرت في هذه المناطق أو تلك.

وادعت التنظيمات الإرهابية أن بعض تلك الآثار والتماثيل التي قامت بهدمها اعتبرها أصحابها القدماء آلهة تُعبد من دون الله الواحد الأحد فعمدوا إلى هدمها وتخريبها وطمس معلمها، ألم يعلموا أن أولئك الأقوام الذين كانوا يعبدون هذه التماثيل والحجارة قد اندثروا منذ آلاف السنين، ألم يعلموا أنه ما عاد أحد يعبد هذه التماثيل والآثار بل حفظت لتروي لنا تفاصيل تلك الحقب المندثرة، ألم يعلموا أن فتوحات إسلامية وصحابة مروا على تلك الآثار ولم يأمروا بهدمها وإزالتها، ألم يدركوا القيمة التاريخية لهذه الآثار.

وبالطبع استغلت التنظيمات الإرهابية قيمة بعض الآثار والتماثيل واللقى التاريخية القديمة وقامت ببيعها في السوق السوداء لتمكن من استغلال قيمة هذه الآثار المنهوبة والمسروقة في تمويل عناصرها وعملياتها كما دأبت على استغلال بيع النفط الخام السوري والعراقي في السوق السوداء للغرض ذاته وهو “التمويل”.

وأنا على يقين لو قدر الله لهذه الجماعات الإرهابية السيطرة على المدن الأثرية اليبية كمدينة شحات في الشرق الليبي ولبدة في غربها لتعرضت تماثيلها ومسارحها وفسفيساءها للتخريب والتدمير على أيديهم، فهناك في العاصمة الليبية طرابلس اختفى تمثال الغزالة والحسناء في أحد ميادين المدينة، التمثال الذي صممه فنان إيطالي يدعى أنجلو فانيتي مطلع ثلاثينيات القرن الـ20 إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا، ورجح البعض أن تكون سبب إزالة هذا التمثال “الغامضة” بأنه بسبب الملامح العارية للحسناء، في حين أن الإسلاميين المتشددين هم وراء ذلك، مثلما حجب الإسلاميون الجزائريون التماثيل في مدينة الأصنام بعد فوزهم بالانتخابات البلدية عام 1992، حيث اشتروا بأموال البلدية قماشا أبيض وغطوا التماثيل النسائية بالكامل، بينما غطوا خصور التماثيل الرجالية حسب فهمهم للشريعة الإسلامية، وعقب هذا التمثال اختفى أيضا وفي نفس الظروف تمثال يجسد شخصية شيخ الشهداء عمر المختار وهو يمتطي صهوة جواده، وكان موضوعا أمام مقر المجلس البلدي لمنطقة الماية على الطريق الساحلي غرب العاصمة الليبية طرابلس، فهل في هذا التمثال مايعيب حتى يُزال بشكل غامض .

وطال العبث على أيدي الجماعات الإرهابية العديد من المعالم الأثرية المهمة في أفغانستان والعراق وسوريا، حيث أمر قادة طالبان بتدمير تماثيل بوذا في باميان في منطقة هزارستان في وسط أفغانستان، وهما تِمثالان أثريان ضخمان منحوتان على منحدرات وادي باميان يعود تاريخ بِنائها إلى القرن السادس الميلادي وهي مثال على الفن الهندو-أغريقي الكلاسيكي في تلك الحقبة، وقامت عناصر طالبان بتدمير التمثالين باستخدام الديناميت في مارس 2001 ويعتبر الموقع أحد مواقع اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 2003.

وقام تنظيم داعش الإرهابي أيضًا بتدمير عدة مواقع ومنحوتات أثرية في العراق وسوريا، ولقد كانت هذه الآثار تعود لعصور قديمة ومنها من كانت مدرجة ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو مثل مدينة الحضر وآشور والتي تدعى بقعلة الشرقاط وكالح في العراق، بالإضافة إلى مدينة تدمر الأثرية في سوريا،كما قام التنظيم بتدمير عدة مساجد قديمة مثل مسجد النبي يونس في الموصل، والتي يعتقد بأنها تحوي رفاة النبي يونس أو يونان وكذلك مسجد النبي شيث.
وفي أفريقيا أقر جهادي مالي متهم بأنه أمر وشارك بتدمير أضرحة مدرجة على لائحة التراث العالمي للإنسانية في مدينة تمبكتو في مالي التي أسستها في القرن الخامس قبائل من الطوارق، ازدهرت بفضل قوافل التجارة وأصبحت مركزا ثقافيا كبيرا للإسلام بلغ ذروته في القرن الخامس عشر.

فالإرهاب جاء على دول وبلدان حرق الحرث والنسل دمر مبانيها وقتل أهلها وشردهم ونكل بهم باسم الإسلام زورًا، دمر معالمها وآثارها وشوهها ولم يسلم منه الأحياء و الجماد.

مقالات ذات صلة