“داعش” إرهابٌ وخوف وفزعٌ وهروب لماذا؟

7

بقلم/ أسامة داوود

الإرهاب والخوف والرعب والهلع، الهجرة والهروب والفزع أول مايحل على المكان، مدينة أو قرية، حي أو شارع يقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية المزعوم “داعش”، ألم يسأل هؤلاء أنفسهم لماذا كل هذا؟ ألم يشعروا ويحسوا أن استقبال الناس لأرتالهم وهم يجوبون الشوارع برفع السبابة والهتاف لهم بـ “باقية” بالخوف والرعب في عيون هؤلاء الناس؟ أليسوا هم دولة الحق والعدل وعلى منهاج النبوة – كما يدعون – فلماذا يخافهم الناس، الصغير قبل الكبير؟ لماذا يُنظر إليهم وكأنهم “مغول” هذا العصر أو قطاع طرق، لا كما يصورون أنفسهم وكأنهم قوم من زمن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه وتابعيه في عدلهم ورحمتهم في قصصهم التي عرفناها ونحن أطفال فأحببناهم دون أن نراهم، فأتى هؤلاء “التتار” وكأنهم يريدون أن يشوهوا أولئك العظماء وذلك الزمان قصدًا.

في مدينة درنة – مدينة الثقافة – حين كانت تحت سيطرة التنظيم الإرهابي “داعش” قال لي أحد سكانها – سرًا – في ذلك الوقت إن المدينة وكأن تعلوها غمامة سوداء، صارت غريبة بأماكنها وشوارعها وأهلها رغم أني أصيل تلك المدينة أبًا عن جد، يتحدث الناس وكأنهم يهمسون، يسيرون في الشوارع وهم يتلفتون يمينًا وشمالًا وكأنهم ينتظرون ما لا يسر، يفزعوننا بين الحين والآخر بمشاهد القطع والقتل والجلد، نقف مذهولين ترتعد فرائصنا لا نكاد نستطيع الحراك، نرجع بيوتنا وتلك المناظر تلوح أمامنا تقض مضاجعنا، نحاول على إثرها النوم لا نكاد نستطيع لكثرة هذه الهموم والأهوال التي حلت بنا وبمدينتنا، أصبحت عباداتنا وشعائرنا كأنها رياء، صاروا لنا هاجسًا وكابوسًا، فكرت مرارًا الفرار من المدينة، أن أخرج أنا وعائلتي وأبحث عن أي مكان ألجأ أليه لأهرب من هذا الجحيم الذي نعيشه.

وهذه الحالة مشابهة لكل مدينة أو قرية سيطر ويسيطر عليها تنظيم “داعش” الإرهابي في ليبيا أو خارجها سواء في سوريا أو العراق، وهناك أكثر من سؤال لماذا يكره الناس “داعش” لماذا يخاف الناس هذا التنظيم؟ وفي أحياء بنغازي على سبيل المثال التي كان يسيطر عليها عناصر التنظيم لمدة قاربت العامين لماذا لم يتوجه الناس إليهم ليعيشوا معهم وبينهم؟ لماذا لم ينضموا إليهم في قتالهم ضد قوات الجيش؟ في ليبيا البلد المسلم السني المالكي ليبيا بلد المليون حافظ لكتاب الله، ليبيا البلد المحافظ لماذا لم يجد هذا التنظيم حاضنة اجتماعية تقبله إن كان على حق لماذا لفظه الليبيون ورفضوه وحاربوه؟.

وإذا رجعنا لذلك الزمن، زمن الصحابة والخلفاء لا عجب إن ذكرنا قصة الخليفة عمر بن عبدالعزيز في فتح سمرقند، ففي خلافته كان قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح المدن والقرى ينشر دين الله في الأرض وفتح الله على يديه مدينة سمرقند دون أن يدعوَ أهلها للإسلام أو الجزية ويمهلهم ثلاثاً كعادة المسلمين ويبدأ القتال.

فلما علم أهل سمرقند بأن هذا الأمر مخالف للإسلام كتب كهنتها رسالة إلى سلطان المسلمين في ذلك الوقت وهو عمر بن عبد العزيز أبلغوه فيها أن عامله دخل عليهم دون أن يدعوهم إلى الإسلام أو يمهلهم، وتنقّل الرسول من بلد إلى بلد أشهراً حتى وصل إلى دمشق دار الخلافة فلما وصل إلى بيت الخليفة سلمه رسالة الكهنة قرأها ثم قلبها فكتب على ظهرها “من عبد الله عمر بن عبدالعزيز إلى عامله في سمرقند أن انصب قاضياً ينظر فيما ذكروا”.

وعاد الرسول إلى سمرقند وسلم الرسالة إلى الكهنة وذهبوا بها إلى عامل عمر فنصّب لهم القاضي جُمَيْع بن حاضر الباجي لينظر في شكواهم ، ثم اجتمعوا في يوم وسألناه دعوانا فقلنا اجتاحنا قتيبة، ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا لننظر في أمرنا فقال القاضي: لخليفة قتيبة وقد مات قتيب: أنت ما تقول؟ قال: لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة فخشي قتيبة إن آذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه، فقال القاضي: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً، ثم قضى بإخراج المسلمين على أن يؤذنهم القائد بعد ذلك وفقاً للمبادئ الإسلامية .

وما ظنّ أهل سمرقند أنّ تلك الكلمات ستفعل فعلها ما غربت شمس ذلك اليوم ورجل من الجيش الإسلامي في أرض سمرقند خرج الجيش كله ودعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال فلما رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها قالوا: هذه أمة حُكمُها رحمة ونعمة، فدخل أغلبهم في دين الله وفُرضت الجزية على الباقين.

وفي الأندلس عندما بدأت الحرب الصليبية ذكر مؤرخون أنه إثر سقوط الأندلس في أيدي الصليبيين قرر اليهود الهجرة مع المسلمين والرحيل معهم على البقاء مع المسيحيين خوفًا من التنكيل بهم ولما لقوه من المسلمين طيلة العيش معًا في الأندلس من المعاملة الحسنة وطيب المعشر.

هؤلاء ليسوا مسلمين إلا أنهم ارتضوا العيش معهم بل ودخلوا في دينهم دين الرحمة الحقيقية ودين العدل قولا وفعلا، ألم يقتنع منتسبوا هذا التنظيم أنهم في غي وضلال، وأنهم بعيدون عن تعاليم ديننا، ألم يقر أحد قيادته الذي كان يقاتل في سوريا وعاد إلى رشده – وهو جزائري – أنه تنظيم دموي وأنهم “متلهفون” على إقامة الحدود على المذنبين والمخالفين لأبسط شبهة على عكس القاعدة الفقهية “الحدود تدرأ بالشبهات”، ولنا هنا أن نسأل هل هم جماعة جاءت فقط لتشويه الإسلام لأن مايفعلون – وإن بدا ظاهريًا أنه إسلام – إلا أنه ليس الإسلام الذي جاء به رسول الله “محمد” الذي وصفه الله سبحانه بقوله “”وإنّك لعلى خُلِقٍ عظيم” و “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” أي طهره الله من الفظاظة والغلظة ، وجعله قريبا رحيما بالمؤمنين رؤوفا ولا يجزي بالسيئة مثلها ، ولكن يعفو ويصفح.

مقالات ذات صلة